فهرس الكتاب
وما أن ابتعدنا عن السراي بحوالي مائة متر تقريبًا حتى اختفى نهر بردى بشكل سحري تحت إحدى الساحات بـ"ساحة المرجة"... وهي ذات طابع حديث"بَشِع"يرتفع وسطها عمود أخضر من الحديد الصب، وفي قسمة العلوي ما يشبه التاج المسطح وقبة صغية تُشبه"السكرية"، وإلى جانبها مئذنة تشبه المزهرية..!!
لقد صنع هذا العمود في معامل"كروب"الألمانية بناء على طلب السلطان عبد الحميد بمناسبة افتتاح الخط التلغرافي بين دمشق ومكة المكرمة". وفي هذه الساحة أيضًا نصبت مشانق الشهداء الوطنيين أثناء الحرب العالمية الأولى ونفذ بهم حكم الإعدام.. وكان من بين هؤلاء عمر بك الجزائري ابن الأمير عبد القادر، الذي وجهت له تهمة التعاطف مع فرنسا.. لقد كان عمر الجزائري شاعرًا عاطفيًا هادئ الطبع، ومتصوفًا... هكذا وصفه السياسي والكاتب الفرنسي المعروف"موريس باريس"الذي زاره في منزله في ضاحية دمر..."
خلت شوارع دمشق تقريبًا، واستأنفت حافلات الترام (الترامواي) رحلاتها، وقد زينت بالورود وأغصان الحور الخضراء والأعلام الفيصلية.. كانت الحافلات تدور في ساحة المرجة حول النصب التذكاري، والركاب يرددون الأغاني على أنغام الدربكة بينما يثابر السائق على قرع الجرس البلجيكي بإحدى قدميه...
فماذا كانت تحمل هذه الحافلات؟
فيها أناس يرتدون ألبسة من كل الألوان، وبعضهم يرتدي معاطف ذات طابع قديم يعود إلى عهد التوراة تصفِّق عند هبوطهم أو نزولهم... وآخرون أثوابًا من الموسلين الكهنوتي تتطاير أطرافها عند الأبواب.. إنهم يحتفلون بأحلى أعياد سورية العريقة القِدم...
... أسرع أيها السائق ... أسرع في عاصمة عالم السحر.
أسرع على بساط ريح ألف ليلة وليلة...
أسرع إلى جبل قاسيون وإلى أقصى نقطة في حي الميدان...
أسرع في عربة تسير دون خيول...
تتزحلق معلقة بخيط في الفضاء...
وأعلن عن مرورها بأنغام موسيقية عربية مرحة!!