فهرس الكتاب

الصفحة 7759 من 23694

لم أصادف بين هذه الحشود البشرية أية قبعة أوروبية كما لو أشاهد شبحًا أوروبيًا، بل ولم ألحظ أي"ملاءة"نسائية كما هي الحال في شوارع بيروت، فليس هناك سوى الأغطية (المآزر) السوداء القاتمة التي تتناقض تمامًا مع لباس النسوة في المدن الأخرى والأرياف..

وإلى جانب هذه الواحات النسائية السوداء.. كان الرجال يرتدون أنواعًا مختلفة من الفراء.. ابتداء من فرو الدب الأبيض الناعم، والثعالب السيبيرية، إلى الكازاك الكردي المبطن بفرو الخروف الأشقر الذي يُسدل على الظهر أكمامًا طويلة أسطوانية قاسية تشبه أنابيب الري...

ومما أدهشني أيضًا رؤية جماعة من الصينيين ذوي الأحذية العالية، وكانوا يلتفون بدثار واسع مبطن، ويغطون رؤوسهم بقبعات هرمية غريبة الشكل تبرز فوق فوطة حمام ملتفة على شكل عمامة...

وتساءلت عندما رأيت جماعة من السودانيين: ما الذي جاء بهؤلاء إلى دمشق؟ إنهم طوال القامة إلى حد ملفت للنظر، ضعيفو البنية، يلتفون بقطعة من الكشمير على شكل ملحفة، ويبدون كأنهم نوع من أشجار الزينة الباسقة..

وبين المارة شاهدت بعض الرجال الذين يلبسون نوعًا من ثياب النوم بألوان ربيعية بعضها بصفرة الفستق أو اللوز الأخضر، وبعضها الآخر بلون أزهار الدراق، كان يرتديها بشكل خاص شيوخ مسنون في منتهى الأناقة ويغطون رؤوسهم بعمائم نظيفة ناصعة البياض يزيدهم وقارًا لحاهم اللامعة والحاشية من المراهقين الذين حولهم وهم يحملون المباخر ومرشات ماء الورد والياسمين.. ياله من جو حدائقي أخاذ يغمر هؤلاء الشيوخ...!.. وقد لفت نظري أن بعض المارة يهرعون إليهم ليقبلوا أكتافهم وينالوا بركاتهم ويتعطروا بعطورهم.. ثم يقولون شاكرين الشيخ: ليعطر الله قبرك!...

أما الصغار فيبتسمون بحياء ويتابعون مسيرتهم بصمت رافلين بثيابهم المزخرفة وكأنهم يسيرون في جنازة...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت