فهرس الكتاب
وفي أحد أركان هذا الشارع شاهدت شيخًا يقف إلى جانب شجرتي كبَّاد تلمع ثمارهما في أشعة الشمس وتتضوع رائحتهما الزكية... يا له من منظر أخاذ... كان الشيخ ينادي. الكبادة بخمس مجيديات!.. الشجرة ذات العطور الزكية بخمس مجيديات!...
ماذا أيضًا.. لقد سبق أن قلت أننا افتقدنا نهر بردى عندما اختفى تحت تلك الساحة الواسعة.. كلا.. لم نفتقده فهناك في كل زاوية فسقية، أو ساقية صغيرة أو فخارية... إن مياه هذا النهر تتوزع في كل أحياء دمشق وشوارعها داخل الأقنية أو أنابيب فخارية كما في المدن الحديثة... إن بردى يغيب في عاصمة الأمويين تحت الأرض لتنبجس مياهه العذبة الجليدية بشكل عجيب لتغني في فسقيات البيوت وتمون مساجدها وتصب في أجران رخامية منتشرة في نواحي كثيرة من المدينة ليستقي منها المارة والناس الذين لا يصل إلى بيوتهم الماء...
لقد شاهدت عند إحدى النوافير فتاتين تملآن جرتيهما السوداوين وعندما لمحتاني من بعيد اختنقتا من شدة الضحك... فلعلهن لم يشاهدن من قبل أية امرأة أوروبية.. ثم ما لبثتا أن هرعتا موليتين تطقطقان بقبقابيهما الخشبيتين المرتفعتين.. والجرتان الشيطانيتان تنتصبان عموديتين فوق رأسيهما..
كان جرن المياه إلى جانب شباك (أو نافذة) مدعم بقضبان حديدية، واقتربت منه ونظرت إلى داخل البناء من خلال العوارض المعدنية فشاهدت فانوسًا مضاء وعمامة ضخمة خضراء مثبتة فوق ضريح تغطيه العديد من الأعلام والمرايا...
سألت صديقي عن هذا الضريح؟ فأجابني بأنه مقام السلطان نور الدين الشهيد...
قلت: أهو نور الدين العظيم الذي حارب الصليبيين؟ ولماذا يطلق عليه لقب الشهيد؟