فهرس الكتاب
وفي أحد أطراف المائدة كان الصمت الحذر والدبلوماسية يسيطران، بينما تميز الجناح الآخر بالحيوية المفرطة، حيث يتنافس الجالسون في تلك الناحية حول استعراضات الصباح والكلمات التي ألقاها الأمير.
لقد تعرفت على عدد من الموجودين الذين التقيت بهم أثناء مأدبة محطة رياق، ومن بين هؤلاء، الدكتور عبد الرحمن الشهبندر الذي أحاطني بكثير من العناية... وعلى رأس المائدة كان يجلس شاب لفت انتباهي وأثار اهتمامي بل أقلقني لما لاحظت عليه من قوة الشخصية والذكاء المتوقد الذي يشع من عينيه الجريئتين.
قلت للسيد فريد بك (والد ليلى) : من هو هذا الرجل؟..
أجابني: إنه الزعيم الوطني الحلبي س. بك (28) ... الذي شغل منصب السكرتير للغازي مصطفى كمال (29) ، ثم أصبح منافسًا له.
قلت: غريب أنه شديد الشبه به..؟
قال: آه.. كم نتمنى جميعًا أن يشبهه، وأن يفعل كل شيء من أجل وطننا العربي المسكين مثلما فعل الغازي (أتاتورك) لبلده تركية..
وهنا تدخل الدكتور شهبندر وعلق بحرارة بالغة أسكتت الجميع.. وأخذوا ينصتون باهتمام...
بدأت أتفحصهم وأنقل نظري من واحد لآخر فلاحظت أنهم جميعًا من الشباب المتقدين حيوية وحماسًا، وبريق عيونهم يدل على الطموح والجرأة، وشواربهم المقصوصة كالفرشاة ترتعش عندما يتحدثون فتوحي بالغطرسة الساخرة...
ومما يلفت النظر أنهم كانوا في منتهى الأناقة والزينة بالمَلبْس، وأيديهم العصبية ذات الأنامل الناعمة لا تكف عن الحركة أثناء الكلام.. مما يدعو للتساؤل فيما إذا كان هؤلاء قادرين على إنجاز أعمال عظيمة..!..
كانت تسيطر عليهم النشوة بمقدار ما يتقدم الغداء ـ رغم أنهم لا يتناولون سوى الماء ـ وخاصة عندما أسمعهم يتلفظون بكلمات مثل:
"الحرية.. حقوق الإنسان.. الخلاص العام.. الاستقلال.. الدستور الثوري.. الخ..".