فهرس الكتاب
كنت أتنقل في بهو الفندق الفسيح عندما قابلت المندوبة الصهيونية للمرة الرابعة، رأيتها هذه المرة جالسة أمام المدفأة المعدنية الضخمة تطالع صحيفة عبرية، وتلقي بين حين وآخر قطعة من حطب الزيتون في المدفأة، فيتضوع من احتراقها عبير لطيف يملأ القاعة... وفي أحد أركان البهو كانت الجالية الأوروبية بكاملها، يتوزع أفرادها في حلقات، فهناك ثلاث رهبان يسوعيون إيطاليون يجلسون على أريكة ضخمة ويجلس القنصل الإيراني الأسمر على طرفها ويتبادل الفكاهات مع رجال الدين. وعلى أريكة مقابلة يجلس مدير شركة الحافلات (الترامواي) البلجيكية وزوجته ويتحدثان مع مهندس محطة توليد الكهرباء الفرنسي.
أما خارج الفندق فكنا نسمع الهتافات المتكررة... سورية حرة... يعيش الشريف فيصل.. بل.. ويعيش الملك فيصل..!!..
كانت وجوه أفراد الجالية الأوروبية تعبر عن القلق، لأنهم كما يبدو لم يكونوا يتوقعون مثل هذا الحماس الجماهيري الهائل.. كما لم يتوقعوا أن يلاقي الأمير فيصل هذا التأييد الواسع وينادي به ملكًا على سورية..!..
ولهذا سمعت أحد الآباء اليسوعيين الطليان يقول:"إنها لمؤامرة ملكية حقيقية!. ومن المحتمل أن الأمير لا علم له بها. ولكته مع ذلك لا يستطيع أن يحشر نفسه في السلطة المحددة التي يمكن أن يسند إليه في إطار الانتداب الفرنسي... ولذا فإنه سرعان ما سيجد نفسه متخلفًا وراء المتطرفين السوريين فيعرض حياته للاغتيال من قبل الشعب... وأضاف الراهب قائلًا، وفي هذه الحالة ماذا سيكون مصير المسيحيين في هذه المدينة المتعصبة؟... من المؤكد سيكون هناك مذبحة جديدة كتلك التي حدثت عام 1860..."!..