فهرس الكتاب

الصفحة 7777 من 23694

كان نُدل المقهى يتنقلون بخفة عجيبة يلبون الطلبات، ويعلق كل منهم منشفة حمام في حزامه، ويضع باقة من براعم زهر البرتقال خلف أذنه. فتراهم تارة يغسلون الأقداح الخزفية في حوض الماء، ثم يملؤونها من ماء النافورة الجليدي الذي يتساقط فوق مياه الحوض فينتج عن سقوطه دمدمة رتيبة (بق.. بق ـ بق..) . والغريب أن الرواد لا يتوقفون من طلب ماء الشرب..!! ولعل سبب ذلك أن الناس هنا لا يستهلكون سوى الماء والقهوة (مخا) والقضامة (الحمص المحمَّص) وبعض أنواع المخلَّل، وهم يدخنون بأراكيل مزدانة بنقوش جميلة كأنها اللُّعب. لها عنق طويل رشيق ورأس صغير توضع فيه جمرات حمراء من الفحم الحجري ويصدر عنها عند التدخين قرقرة مُسلِّية...

والمقهى المذكور يرتاده دائمًا أناس متواضعون من الأحياء المجاورة ومن بينهم تجار سوق التبن نفسه، وبعض الحرفيين مثل صانعي أقفاص الطيور والبراذع والأسرجة، وجميعهم يرتدون ألبسة السهرة النظيفة ويغطي معظمهم الرؤوس بطرابيش حُمر، والقليل منهم يلفون حول الطربوش قطعة قماش بيضاء مزركشة بخيوط حريرية صفراء (اللَّفة الأغبانية) والبعض الآخر يعتم بعمامة بيضاء تقليدية...

كنت أنقُل الطرف بين رواد المقهى وأتفحصهم الواحد تلو الآخر، وأنا أجلس في مقعد الشرف في الشرفة البللورية، وكانوا يرتشفون القهوة أو يدخنون الأراكيل ذات النرابيش الحمراء الأفعوانية، ويطقطقون بمسابحهم العنبرية بانتظار"الحكواتي"...

لفت انتباهي الرسام توفيق طارق بك إلى اثنين من الرواد جالسين غير بعيد عنا، وقال لي هل تلاحظين تلك"الندبة"التي في جبهة كل منهما والتي تكاد تكون بحجم بيضة الحمامة؟ قلت نعم.. فما هي؟ قال: إنها:حبَّة الصلاة"، وهي إشارة يفتخر بها الأتقياء بين أقرانهم من سكان الحي لأنهالا يمكن أن تصبح بهذا الشكل إلا بعد سنين طويلة من السجود والتعبد..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت