فهرس الكتاب

الصفحة 7778 من 23694

لقد تأخر"الحكواتي"هذا المساء... وكنت أتصوره شيخًا ذا لحية بيضاء أو تلميذًا يضع على عينيه نظارات طبية لكي يعطي لشخصيته طابعًا مميزًا... وكم دهشت عندما دخل الحكواتي فإذا هو شاب في مقتبل العمر، له شاربان منتصبان ومثبتان بالشمع، وعينان تقدحان ذكاءً ويرتدي معطفًا عسكريًا ميدانيًا مزررًا وسروالًا منفوخًا.. صفق له الحاضرون، فأسرع إلى صدر المقهى وقفز إلى منصته ثم جلس مصلبًا ساقيه، وافتتح الجلسة (الأمسية) بصوت عال فقال:"بسم الله الرحمن الرحيم"ثم تلا بعض الدعوات والصلوات فران الصمت على المقهى واتجهت الأنظار نحوه، ولم أعد أسمع حتى طقطقة المسابح وقرقرة الأراكيل..!.. وعندما انتهى من البسملات والأدعية فتح كتابه الأصفر وبدأ بتلاوة سلسلته...

إنها ليست قصة من قصص ألف ليلة وليلة وحديث شهرزاد إلى شهريار لقد أسمع في حديثه بعض العبارات التي سمعتها من جماهير المتظاهرين بالأمس، كالاستقلال.. والحرية.. وسورية.. وبيان الأمير... ومع ذلك كان رواد مقهى سوق التبن"وأصدقاء أشجار الدلب (النبوية) ؟... يصغون منذهلين. أما أولئك الأتقياء المشهود لهم بالورع، فكانت عمائمهم مائلة إلى الخلف، كدليل على إصغائهم واهتمامهم الشديد بحديث الحكواتي، بالإضافة إلى أن وضع العمامة هذا يبرز"حبة الصلاة"بشكل ظاهر لا يخفى على أي ناظر... وأذرعتهم ممدودة خارج معاطفهم تداعب رماد جمرات الفحم لكيلا تنطفئ أراكيلهم.."

أما النافورة الرخامية الجميلة فكانت تقذف مياهها إلى الأعلى باستمرار فتتساقط كحبات المزن فوق سطح الحوض المُثمن فتحدث أصواتًا رتيبة وقورة وكأنها تردد عبارة"المملكة العربية"!...

الحواشي:

(1) تشير الكتابة إلى الفتنة التي وقعت في دمشق عام 1860 م والتي كان وراءها الدول الأوروبية الاستعمارية. وخاصة منها بريطانيا وفرنسا، لكي تمهد لاقتسام تركة الرجل المريض (الإمبراطورية العثمانية) وذلك بحجة حماية المسيحيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت