فهرس الكتاب
إن المتتبع لشعر المخبَّل يلحظ أن ثمة تباينًا حادًا بين شعره رجلًا في شرخ الشباب وشعره كهلًا، وشعره وهو شيخ كبير آمن بالله ودخل في الدين الجديد الذي عمَّ نوره الجزيرة كلها. فتارة نرى اندفاعة الرجال وثقتهم وما يستتبع ذلك من جنوح إلى المبالغة والغلو في الفخر والهجاء، وتارة نرى حصافة الكهول الذين لم تكن لهم قناة، وطورًا آخر نجد المخبَّل الشيخ الذي عركته الحياة فحبتَه الحكمة، وثاب إلى الرشاد، وأدرك أن الحياة غَرور بأهلها، كما نجد تقى المسلم وورعه بعد أن عمَر الإسلام قلبه بالإيمان.
وهذا التباين وذاك الاختلاف إنما تأتي له من عمره المديد الذي يدفع بنا إلى القول: إنه كان من المعمرين وإنه عاش ما يقرب من مائة وخمسة عشرة عامًا، ولعل هذا ما أخَّر أبا حاتم السجستاني عن ذكره في كتابه لأن من شرطه ألا يسلك فيه إلا من بلغ مائة وعشرين عامًا فأكثر (2) .
وفي أخبار من كانت لهم صلة بالمخبل نجد ما يُستنبط منه أن الرجل قد عاش نحوًا مما ذكرنا، فقد جاء في الخزانة أن الأضبط بن قريع أخا جعفر بن قريع ـ وهو أنف الناقة جد المخبل ـ عاش قبل الإسلام بخمسمائة سنة (3) . وهو قول فيه شيء كبير من الغلو والمبالغة مما يجعل التحديد الذي ذكرناه غير مقبول، إذ أن النظر في سلسلة نسب المخبل ترد هذا، وتشير إلى أن بين الأضبط ـ وأخيه جعفر ـ وشاعرنا ثلاثة آباء، ومهما بالغنا في تقدير النقلة الزمنية التي تفصل بين جيل وآخر، فلن يستقيم لنا تحديد عمر المخبل استنادًا إلى ما ذكرنا. ولكن ما من شك في أن الأضبط عاش مائة وعشرين عامًا على الأقل فقد ذكره أبو حاتم في المعمَّرين (4) . وبفرض أن بين جيل وآخر خمسة وعشرين أو ثلاثين سنة، فإن ما قدرناه من عمر المخبل لا يبعد كثيرًا عن الحقيقة.