فهرس الكتاب
وأنَّا لنعطي النَّصف من لو نَضيمُه ... أقرَّ ونأبى نخوة المتظلم (40)
وتلوح في هذا الشعر أيضًا، صورة الفارس الذي يسقي الكماة من دمائها، دفاعًا عن الحقيقية، وحماية لها حتى أصبحت نساؤه مضرب المثل في المنعة، فقد قال هشام بن عبد الملك لجرير معلقًا على أبيات له:"لم تركت نساءك أُردِفنَ؟ ألا جعلتهن كنسوة المخبَّلِ، فما سمعنا بعربيات قط أمنع منهن، حيث يقول: ... على ظهر عُريٍ زلَّ عنها جِلالُها"
وساقطة كورِ الخمارِ حييَّةٍ
تشدُّ بأيديها السنام وقد رأت ... مسوّمة يأوي إليها رعالها
نزلنا فساقينا الكُماة دماءها ... سجال المنايا حيثُ تُسقى سجالها (40)
وإلى هذا تشير المصادر إلى أنه كان يجتمع بشعراء القبيلة كعمرو بن الأهتم، وعَبَدة ابن الطبيب والزبرقان، وعلقمة الفحل، وأنهم احتكموا مرة إلى ربيعة بن حذار الأسدي حكم العرب فحكم للمخبل بالتفوق وبأن شعره"شهبٌ من نار يلقيها الله على من يشاء من عباده" (42) . وقيل أن الذي حكم بينهم هو عَبَدة بن الطبيب فقال له:"فأما أنت يا مخبل فإن شعرك العِلاطُ والعراضُ" (43) . ... بغدٍ ولا ما بعده علمُ
ومهما يكن الحكم الذي صدر على شعر المخبل فإن الذي يهمنا هنا هو اجتماعه بعلقمة ابن عبده مما يعني أنه كان معاصرًا له، وعلقمة هذا توفي حوالي سنة 603 م (44) .
أما المخبل الكهل فنراه يصدف عن متاع الدنيا الغرور بأهلها. ويرى أن خلود المرء إنما يكون باتباعه سواء السبيل والبعد عن الآثام، والتزام التقوى، ذلك أن المنايا رصدٌ لكل مخلوق، فهي تنقب عنه وتأتيه إينما كان، فيقول:
وتقول عاذلتي وليس لها
إن الثراء هو الخلود وإن ... المرء يُكرِبُ يومه العُدمُ
إني وجدِّكِ ما تخلِّدني ... مئةٌ يطير عِفاؤها أدْمُ
لتنقبنْ عني المنية أن ... الله ليس كعلمه علمُ
إني وجدت الأمر أرشُدهُ ... تقوى الإلهِ وشرُّه الإثم (45)