فهرس الكتاب

الصفحة 7945 من 23694

فما دامت الإقامة في الوطن حزمًا فأخلق به أن يعمق انتماءه إليه، أما إذا انقلبت إلى ظلم فما أجدره أن يتحول عنه. فالوطن يمثل الكرامة والإخلاص له، والحفاظ على انتماء أبنائه... وما عدا ذلك يغدو المرء فيه غريبًا؛ وتبدأ النفس بالوسوسة من أجل الانعتاق والتحرر من قيد الانتماء الظالم إلى انتماء لا ظلم فيه. وهذا يذكرنا بأغربة العرب وهم سودانهم. ومنهم عنترة العبسي والسُّليك بن السُّلكة وتأبط شرًا وخفاف بن ندبة والشنفرى وحاجز الأزدي... وغيرهم... وقد حرص بعض هؤلاء الأغربة على الوطن وحاولوا تثبيت انتمائهم فوق أرض لا تحمل إلا السادة من الشرفاء والبيض؛ فسعوا إلى تعميق ارتباطهم بها وبقبيلتهم، وأرادوا التعويض عن وضاعة لونهم ببيض فعالهم. وأن المرء بفعله الكريم، وهو قادر- وإن كان أسود- على أن يقوم بما لا يستطيع السيد الوفي أن يؤديه. وما قصة الانعتاق وحب الانتماء عند عنترة إلا واحدة من قصص كثيرة نتجت من الظلم الاجتماعي نتيجة فارق اللون الذي خلقه الله عليه. وكان عنترة يعتمد في الوصول إلى حريته وإنهاء عبوديته على الحجة والمنطق دون أن يشوه انتماءه الذي يؤمن به السادة الشرفاء، قال (2) : ... عاري الأشاجع شاحب كالمنصل

عجبت عبيلة من فتى متبذل

شعث المفارق مُنهج سرباله ... لم يدَّهن حولًا ولم يترجل

ويتجلى عمق الانتماء عند عنترة بصدق الدفاع عنه، ولم يفعل ما فعله خفاف بن ندبة حين قال (3) : ... على ذلك النسب المظلم

كلانا يسوده قومه

فأم خفاف بن ندبة تجلب العار لابنها بسواد لونها بينما نجد عنترة يفتخر بسواد لونه ولون أمه ويدافع عن أرومته تلك التي أتته من جانب (حام) . ... من آل عبس منصبي وفعالي

وينتهي لونه الأسود إلى الأصالة؛ ولا عار فيه مثل اللون الأبيض تمامًا فقال (4) :

وأنا المجرَّب في المواطن كلها

منهم أبي حقًا فهم لي والد ... والأم من حام فهم أخوالي

وقال أيضًا (5) : ... من أبناء حام بها عبتني

فإن تك أمي غرابية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت