فهرس الكتاب

الصفحة 7946 من 23694

فإني لطيف ببيض الظُّبا ... وسمر العوالي إذا جئتني

هكذا سيحمي لونه بحد السيف ولن يترك لأحد- مهما يكن- أن يعيبه به، ويفسد عليه انتماءه قال (6) : ... شطري، وأحمي سائري بالمنصل

إني امرؤ من خير عبس منصبًا

فحرية عنترة تتوطن في قدرته على إثبات انتمائه مثله مثل بقية أفراد المجتمع، فالحرية الانتماء هي الغاية الأولى والأخيرة. وفي اعتقادنا أن عنترة لم يصل إلى الانتماء الأصيل إلا بعد تضحيات جمة انتزع بها الاعتراف من جميع أفراد عبس بانتمائه على قدم المساواة مع الشرفاء البيض... ونظرة فاحصة واعية ومتأملة لهذه القصة وأمثالها تؤكد أن المجتمع الجاهلي يقدس القوة ولا يؤمن البتة بالتمييز العنصري بين أبيض وأسود... فابن السوداء الذي حمى الناس في أكثر من معركة (7) - كما قال قيس بن زهير- مثل على ثائرة التحدي للعنصرية. فقد دفعته فروسيته وأنفته إلى تثبيت انتمائه بحد السيف. ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد؟

وإذا كان عنترة يمثل العنصر الإيجابي في ظاهرة الانتماء والانعتاق فإن آخرين مثلوا العنصر الانفعالي فيها، وأرادوا تأكيد فرديتهم دون الارتباط بقبيلتهم لا كما كان يفعل عنترة؟ فأصبحوا كالمنبتِّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى. وإن وصل بعضهم إلى حريته فإنما ظل انعتاقه فرديًا؛ يسوس الأمور بمنطق فردي وجودي، وأبرز من يمثله طرفة بن العبد. أما بعضهم الآخر فقد كون لنفسه جماعة مارست نوعًا من الانتماء الجماعي لشيء جديد غير ما عرف عند الجاهليين مثل الخلعاء والصعاليك. فطرفة بن العبد يتمرد على مفاهيم مجتمعه (التقاليد والعادات) دون أن ينكر انتماءه إلى قبيلته بكر. ويعلن صيحته عالية فيقول: إنه ينتمي بكل كيانه إلى مجتمعه إلا أن ظلم قومه لأخوته الصغار ولأمه جعله يعيد النظر بمفهوم الانتماء- وأقسى أنواع الظلم أن يكون من الأقرباء- (8) :

فمالي أراني وابن عمي مالكًا

يلوم وما أدري علام يلومني ... كما لامني في الحي قرط بن معبد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت