فهرس الكتاب

الصفحة 7974 من 23694

غير أن أعظم آثار الحضارة الأندلسية أو إسبانيا المسلمة هي الإنجازات العلمية والثقافية، وهي التي كونت حضارة الأندلس، ورسخت جذورها، وجعلت تأثيراتها عظيمة على البلاد التي حولها، فأصبحت مركز إشعاع للعلم والمعرفة ومحجة يقصدها طلاب العلم من كل حدب وصوب. ولم يقتصر هذا الاهتمام بنشر العلم على عهود القوة أيام الدولة الأموية، بل سار على هذا المنوال ملوك الطوائف أيضًا، حين انفرط عقد الخلافة، واصبحت الدولة دويلات متعددة. أما خلال العهد الثاني للقوة، أيام حكم المرابطين والموحدين، فعلى الرغم من انصراف هؤلاء إلى حياة الخشونة والزهد، جريًا على طريقتهم الدينية المتزمتة، فإن خلفاءهم ما عتموا أن عادوا فاندمجوا في حياة الأندلس الراقية، وجذبتهم ثقافتها وحضارتها، فأكملوا رسالة أسلافهم في رفع راية العلم والأدب والفن، وإطلاق حرية الفكر.

ولا شك بأن الإقبال على الثقافة والعلم يتطلب العناية بالكتب والحصول عليها، لذا فقد شُغف الأندلسيون عامة وأهل قرطبة بشكل خاص باقتناء الكتب. ففي ضاحية قرطبة الغربية فقط، كانت /170/ امرأة تكسبن عيشهن من نسخ الكتب. وكان ينشر في قرطبة كل عام /60/ ألف كتاب، كما كان في مكتبة الحكم الثاني /500/ ألف كتاب وقد علق على هوامش الكثير منها، كما كان يحمل مكتبته معه على ثلاثين جملًا أينما رحل. ويقال بأن فريدريك الثاني ملك صقلية النورماني قد اقتدى به بحمل مكتبته معه في ترحاله. وقد قلد الأندلسيون ملوكهم ورؤساءهم، فكان وجود مكتبة في كل منزل، من مستلزمات الحياة الاجتماعية والثقافية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت