فهرس الكتاب
ومن الملاحظ التي يجب تقديمها أن أولئك الشعراء كان جمهورهم من فئة العلماء، علماء الدين، الذين لهم مشاركة في عدد من فنون العلم كالفقه والأصول والمنطق والقراءات... وكان الشعر لديهم مظهرًا من مظاهر البراعة والتميز من الآخرين.. فالشيخ العلامة خالد الأتاسي (6) معروف في تاريخ الفقه والقانون بشرحه العظيم للمجلة (7) ، ولكنه كان يقول الشعر، والشهيد عبد الحميد الزهراوي معروف بعمق ثقافته الحكمية والفلسفية والفقهية والسياسية وكان يقول الشعر وقد يرتجله، وعلمت من الشيوخ أن له ديوانًا أتلف برميه في البئر لدى مداهمة الأتراك لبيته.. وقل مثل ذلك في سائر الشعراء في تلك المرحلة، فقد كان معظمهم من حملة العلم ونقلته وملقنيه إلى الأجيال التالية، ولم يكونوا من الشعراء أصحاب الرؤية النفاذة الخلاقة ولا من أصحاب الريادة والإبداع.. وأرى أن مثل هذا الحكم لا ينطبق على حمص وحدها وإنما يمكن تعميمه على بلاد الشام، فقد كان الشعر الحي الخلاّق مفقودًا إلا من بعض الومضات، وكانت سورية كما يقول الأستاذ أحمد الجندي (8) : عالة في الثقافة الأدبية والإنتاج الفني على مصر، ومرتبطة بها ارتباطًا أدبيًا وثيقًا، ولم يكن لدينا شاعر يحسب حسابه، وشعراؤنا آنذاك لم يتأثروا بأحد ولم يؤثروا في أحد، بل كانوا ينضحون من ذاكرتهم ما وعت من المحفوظات ينظمونها مجددًا.. أو في قالب آخر دون أن يتكلفوا إيراد معنى نفيس أو خيال طريف... لأن إلهامهم الشعري كان مقصوص الجناح مهيضًا لا يستطيع الارتفاع والسمو إلى الأجواء العالية، فكلهم قد تعلموا النظم، ولكنهم لم يلهموا الشعر، لذلك يمكننا أن نعد عشرين واحدًا منهم ممن يجيد النظم، ومع ذلك قد لا نحظى بقصيدة واحدة لهم جميعًا تستحق تسميتها بالشعر. ولكن إذا كانت هذه الأحكام صحيحة أو على قدر محدود من الصحة فما فائدة تتبع أخبار هؤلاء الشعراء وما الغاية من الاهتمام بشعرهم أو الكاتبة عنهم؟!