وقد لا تكون لهذا الشعر أهمية فنية، لكن الخطورة فيه آنذاك والأهمية الكبرى أنه أنكر حق الأتراك في الحكم وجعلهم من المغتصبين له ومن المحرّفين لكتاب الله، وقرر أن الحكم إنما هو للعرب، لذلك شن حملة شعواء في هذه القصيدة على أنصار الأتراك من العلماء السائرين في ركابهم، والذين يزينون أعمالهم على أنها هي الحق ويشاركونهم في ارتكاب المظالم: ... علَمًا فلم تر قط منهم أجهلا
ومشايخ الإسلام أصبح جهلهم
وقضاتهم للسحت قد أكلوا فهل ... أبصرت حيًا من مضرّتهم خلا
زعموا أولي الأمر الولاة وغرّهم ... في الآية الاصغا لمن قد أوّلا
نعم الخلافة في قريشٍ أصلها ... وبها لقد جاء الحديث مسلسلا
ولا شك أن هذا الصوت نادر آنذاك، له قيمته القومية وإن كان فجًا من الناحية الفنية. وقد سافر الشيخ أمين الجندي إلى القاهرة صحبة إبراهيم باشا الذي قدمه إلى والده محمد علي باشا بقوله: أتيت لك بأعز هدية من البلاد الشامية. وأنشد الشيخ الجندي بين يدي محمد علي قصيدة امتدحه بها، ابتدأها بغزل جمع فيه ما استطاع من السابقين: ... وغنت بلبلا ورنت ظُبيا
بدت شمسًا وماست سمهريا
وسلَّت من لواحظها جهارًا ... على العشاق عضبًا مشرفيا
مهاةٌ ما رآها البدر إلا ... تمنى أن تكون له محيا
سرتْ والنور يغشاها سُحيرًا ... وعرف المسك يصحبها مليا
وسرتُ وراءها وأنا سعيد ... بلثمي نعلها الرطب الذكيا
وبعد أن لثم نعلها وصل الشيخ إلى ما يسميه علماء البديع بحسن التخلص فانتقل من الغزل إلى المديح: ... لدى قصر حوى روضًا بهيا
إلى أن أجلستني فوق عرشٍ
ذكرت لها الأفاضل فاستهلتّ ... بمن لأبي الحسين غدا سميا
إمامًا عارفًا برًا تقيا ... خفاجيًا كريمًا أريحيا
ويستمر بإيراد معاني المديح مستعرضًا ما وعته ذاكرته.. ولا أريد أن أطيل في الحديث عن الشيخ الجندي لأن حياة الرجل وشعره ومواقفه يمكن أن تقصر حديثنا عليه وما إلى هذا قصدنا، لذلك سأختصر حديثي بإشارات سريعة إلى ما أراه هامًا في شعره. ... شتتوا شملي وهجري عودوكْ