القصائد التي حفظها الكنَّاش معظمها ذو منحى صوفي، وهي على قلتها تدل على علو كعب الشاعر وعلى مقدرته على نظم القريض، كما تشير إلى التأثير العميق الذي أحدثته ثقافته الدينية والصوفية في شعره.
والحق أن الشيخ كان ينهج في شعره منهجًا مطروقًا ويسير في طريق لاحبة عبَّدها من سبقه من شعراء التصوف. وأتى هو ينسج على منوالهم، ويشطِّر أشعارهم أو يخمّسها، ويستخدم أساليبهم الرمزية في التعبير عن حبه للذات الإلهية وذلك بالغزل الحسي في الظاهر، وإفهام هذا الغزل بالرموز التي تصرف المعاني عن ظواهرها وتشير إلى المقصود منها، وتبعد عن الخاطر تلك المعاني الظاهرة الطافية على السطح، ولنأخذ مثالًا على ذلك بعض أبيات له من قصيدة"مد المديد":
ذات حسن ذكرها سكَر
مذ تبدّت في محاسنها ... تنجلي حارت بها الفكر
إن هذا الكون مظهرها ... يقظة يا من له نظر
نسبةٌ هذا الجمال لها ... ظاهرًا، فالمبتدا الخبر
فالبداية كما نرى غزلية وعادية جدًا، ثم أتت التلميحات والعبارات التي تصرفنا عن الدلالات الحسية إلى فهم ما يرنو إليه الشاعر وهو التغني بجمال الذات الإلهية المتجلية ظاهرًا في جمال هذا الكون. ... وقولي له: مضناك أودت به الأهوا
ويميل الشيخ الملوحي في معظم ما وجدناه من شعره إلى استخدام مصطلحات العلوم التي يعرفها، ويفسح المجال لولعه الشديد بالمحسنات البديعية، ويتفنن في إيرادها، ولنقف لدن هذه الأبيات: [من الطويل]
أريح الصبا مُرّي على حيّ من أهوى
وحييه عني يا رياح تحية ... معنعنة عنها حديث الهوى يروى
وبثِّيه أشجاني ووجدي ولوعتي ... وكيف عِناني عنه في الحب لا يُلوى
أبيت الليالي ساهر الطرف ساجيًا ... وروض هجوعي كله يابس أحوى
وأصبح مسلوب الجنان مولِّها ... كمجنون ليلى غارقًا لا أرى الصحوا
وطُور اصطباري دكه عاصف الجوى ... غرامًا بمن أضحى فؤادي له مأوى