وأثر الصنعة أبرز من أن يخفى، وكأن الشاعر يصوغ شعره صياغة عقلية، فهو يمد يده إلى معارفه المتنوعة يتناول منها ما يريد، ليبني به القصيدة، فتأتي القصيدة كأنها بناء استمدت حجارته من مقالع مختلفة، لكن الغاية توحد هذا التعدد، وما الغاية ههنا سوى أن الشاعر يعبر عن مواجده بهذه الطريقة التي ارتضاها لنفسه، وارتضاها عصره لشعرائه. وقد لاحظنا استخدامه لمصطلحات بعض العلوم"معنعنة، حديث، يروى"كما لاحظنا كيف استمد من القرآن سورة الطور الذي دُك لمَّا تجلى الرب لموسى، وأخذ من الأدب قصة مجنون ليلى إلى أن وصل في النهاية إلى تقرير حبه لأحبائه حتى الموت. وقبل أن ندع الشيخ زكريا أحب أن نستمع إلى مقطوعة أخرى من شعره الصوفي: [من الطويل] ... وأُدهش في مجلى المال شهوده
حبيب له بالحسن قامت شهوده
إذا شامه المشتاق أوما بوجهه ... ركوعًا، وإن حيَّاه طال سجوده
بأوج البها قد أشرقت شمس حسنه ... ولاحت بأفلاك المعاني سعوده
فما جنَّة الفردوس إلا لقاؤه ... وما النار والأهوال إلا صدوده
فهل أنت يا أعمى البصيرة مبصر ... من الحسن ما عيني وقلبي يروده
وفي ختام حديثنا عن الشاعر نشير إلى أن الرجل كان معروفًا بلقب الحافظ لحفظه القرآن، وكان عالمًا بالموسيقا بارعًا في الخطابة، حاضر البديهة، له موشحات بديعة، وقد كف بصره في أواخر حياته، ولا يزال بعض الناس في حمص حتى أيامنا هذه يحفظون له أبياتًا في تاريخ وفاة أو ولادة أو بناء. ويبدو أنه كانت له مكانته في مدينته وكانت له مشاركة ما في الحياة الفنية آنذاك. ... فإنك ذو علم ولست بجاهل
رسلان زين العابدين: (ت 1879م)
انتقل الآن إلى الحديث عن شاعر آخر، عرف في حياته بالأديب، واشتهرت أسرته بسبب لقبه بآل الأديب.