ليس أشق، في دراسة أدبية كهذه، من أن تُخضع أديبًا فذًا كالبشري لمنهج دراسي تقليدي يأخذ بالأديب من أقطاره كافة لينفرد بكل جانب من جوانبه درسًا وتحليلًا من غير مراعاة كافية لطبيعته ولتكوين مزاجه الأدبي الذي يتقبل لونًا أو ألوانًا من الحياة ويتأبى على غيرها، فلا نحمِّلنه إذًا من أمره عسرًا، ولا نحمِّل أنفسنا عسرًا فوق عسره. وأكثر ما ينسحب ذلك على الأديب الفنان، المرهف الحس والشعور. ومن مثل أديبنا- وهو من عرفنا رقة طبع ورهافة حس- جدير بأن نجنبه هذا العسر، ونبعده من هذا الامتحان؟، وأن نقنع منه بما قنع هو به ورضيه لنفسه، فنتناول بعض آرائه الأدبية والنقدية، وموقعه بين القديم والجديد، ووصفه، وجانب السخرية عنده، وأسلوبه ولغته.
آراؤه الأدبية والنقدية:
لم يكن"البشري"دارسًا أدبيًا، ولا مؤرخ أدب بالمعنى المفهوم لكلمتي دارس ومؤرخ، ولم يدّع هو ذلك ولم ينتصب له، ولكن له آراء أدبية متناثرة في ثنايا بعض مقالاته ومحاضراته، لا نجد كبير معوّل عليها إلا فيما يعين على جلاء بعض نواحي شخصيته وفنه.
فمن رأيه في الأدب أنه فن غير محدود الأطراف، ولا ثابت الأبواب، بل هو"عرَض يتكيف ويتلون طوعًا لعقلية كل قوم، وتاريخهم، وأخلاقهم، وعاداتهم، والجو الذي يعيشون فيه، وأسبابهم الخاصة، ومبلغ شعورهم بالجمال، بل بصور هذا الجمال أيضًا".
يستوقفني في هذا الرأي قوله:"ومبلغ شعورهم بالجمال، بل بصور هذا الجمال أيضًا"، وأتجاوز إشارته إلى صلة الأدب بعقلية القوم وتاريخهم وأخلاقهم وعاداتهم، وما اصطلح على تسميته بالبيئة والمحيط، لكثرة ما تداولتها الألسنة وفاضت بها المحابر والأقلام..