فهرس الكتاب

الصفحة 8204 من 23694

مثل هذا الفهم العميق لمعنى"الصدق الفني"لا يمكن إلا أن يلفت الانتباه ويستأثر بالإعجاب، وبخاصة حين يصدر عن أديب تملي عليه السليقة والتجربة، لا الثقافة المكتسبة، والآراء المجتلبة، وتُنطق لسانه، بما يسبق به زمانه... والحق أن فهمًا للصدق الفني على النحو الذي نراه عند"البشري"، يميز بين"صدق الشعور"وصدق الواقع، خليق أن يدفعنا إلى أن نقف منه على جوانب ظلت خافية، وسرُّ خفائها أن الكاتب لم يكن من همه أن يكون دارسًا أدبيًا أو مؤرخًا من مؤرخي الأدب في عصره، فإن طلع برأي أدبي ففي سياق عام لا يتصدر لهذا الرأي وحده، ولا يجعله محورًا يدير حوله البحث أو الأبحاث التي تتصل به أو تفيض فيه على طريقة الدّرّاس والباحثين، وإنما هي اللمحة الدالة، والخاطرة الموحية، وبحسب القارئ منها أن يلقى فيها غنيته، وإن لم تشف غلَّته.

ولو تتبعنا مثل هذه اللمحات البارعة لدى الكاتب لوجدنا منها الكثير، نجتزئ منها ما يلي، بنصها:

مضار الصنعة:

"إن الاحتفال للصنعة في الشعر مما يضر في الترجمة عن صادق الحس. وكلما أمعن الشاعر في الاحتفال للصنعة ازداد بالضرورة، التراخي بينه وبين نفسه".

وظيفة الخيال (10) :

"من البديه أن الشعراء لا يطلقون أخيلتهم في فنون المعاني لمجرد العبث بقلب الأوضاع، ومسخ الأشكال، والتلفيق بين الحقائق. إنما الغاية كل الغاية أن تجلو عليك هذه الأخيلة صورًا طريفة بديعة لهذا الذي أدركته من الواقع، أو تترجم لك عما يدق عن فهمك من معانيه ومغازيه، أو تكمل لك وتبسط بين يديك ما ترى من أن الطبيعة قد قصرت فيه وانقبضت دون حبكه وتسويته".

فيض الشاعرية يتجاوز مدارك الشاعر نفسه (11) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت