"وشوقي لا يحفل كثيرًا بنسج الكلام وتزوير اللفظ وتزويق الديباجة، فإن طبعه قد انصرف أكثره إلى المعاني حتى ليحمِّل اللفظ أحيانًا ما يثقله ويبهظه ويكد ذهن القارئ في التماسه وتبيينه، بل إنه في سبيل الوفاء بما قصد له من المعنى ليأتي أحيانًا بالغريب الشامس من اللفظ لا تدرك معناه إلا بعد مراجعة وطول استخبار!".
ونحن نقول إن عبقريًا كشوقي لا تقبل عبقريته أحكامًا مجزأة كهذا الحكم، فمرد العبقرية لا يكون إلى معنى ولا إلى لفظ، بل إلى العبقرية نفسها.. العبقرية سر لا يدرك كنهه، فلا نهتكنّ سترها في محاولة القبض على سرها، جملة أو تفاريق، وهل كانت عظمتها إلا في خفاء هذا السر؟! ولو أن الكاتب- البشري- أحل كلمة"دائمًا"محل"كثيرًا"في قوله:"وشوقي لا يحفل كثيرًا بنسج الكلام.."لكان أوقع وأجمع، ولكان أكثر اتساقًا واتفاقًا وتتمة رأيه إذ قال:
"بل إنه في سبيل الوفاء بما قصد له من المعنى ليأتي أحيانًا بالغريب الشامس من اللفظ". فمن يتصيد الشامس (أحيانًا) - لا دائمًا- لا يكون كل صيده شامسًا، ومجرد استعمال"الشامس"لا يعني أنه طالب معنى، وإلا أساء إلى المعنى نفسه، فما قيمة معنى لا يأتي إلا على شموس؟ فلنقل إذًا أن اللفظ قد يخونه أحيانًا- وأكثر ما يكون ذلك في قافية، بمطوّلة، أو في معنى هو في ذاته فجّ غير نضيج- فيركبه هذا المركب المضطرب. ونظرة، مع هذا، إلى معظم شعره الغنائي وشعره المغنَّى، بل وإلى شعره التمثيلي ذاته- وبخاصة مجنون ليلى ومصرع كليوبترة- لكي ندرك مدى التجني على شوقي حين نقصي شعره عن فردوس الغناء و"موسيقية"اللفظ!.
رأيان بلاغيان:
1-قواعد البلاغة ليست شرطًا في الإبداع الأدبي (18) :
".. والعالم بالفن غير المفتنّ على كل حال، وإنما بينهما العموم والخصوص الوجهي على تعبير أصحاب المنطق، فيجوز أن يكون المرء بليغًا وهو غير عالم بقواعد البلاغة، ويجوز العكس كما يجوز أن يجمع بين الخلتين معًا".