لم يكن أديبنا"البشري"مؤرخًا أدبيًا ولا ناقدًا مختصًا أو"متمذهبًا"، وإنما كان مؤرخًا للساعات والهنيهات الحلوة أو المرة التي تعبر في شريط حياته، فتوحي له ما توحي، وتؤثر ما تؤثر، وتنعكس على"لوحة قرطاسه"صورة حسية أو دعابة عذبة أو تهكمًا قارصًا غير وجيع! وكان ناقدًا ولكن بالمعنى الذاتي المزاجي لا المنهجي الموضوعي، ناقد حياة لا ناقد كلمات... فإذا تناولنا خصائصه ومميزاته فمن هذا الجانب، جانب ذاتيته لا موضوعيته، و"مزاجيته"لا منهجيته، جانب"الأدب الخالص"الذي اصطلح على تسميته"بالأدب الإنشائي". وبحسبنا ذاك فلم يكن هو ذاته ليطمع بأكثر منه، ولنقنع بما قنع به وهو كثير! وهل كان الأدب- في أصله- غير هذا؟! ولكنا ألفنا أن نقدم الناقد والمؤرخ، ونغفل عن المبدع الذي وجد لأجله التاريخ والنقد، وقام جراه الأخذ والرد، ورحم الله القائل:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جرّاها ويختصم!
وانطلاقًا من هذا سنقصر كلامنا على وصفه، وعلى أسلوبه عامة، مع الوقوف قليلًا عند سخريته.
وصفه:
يفرد الكاتب، في"مختاره"بابًا خاصًا بالوصف، ولكن هذا الباب لا يستأثر وحده بوصفه، فثمة"لوحات"ولمحات وصفية كثيرة تتناثر في أنحاء كتبه الأخرى، ولا سيما كتابه"في المرآة".