فهرس الكتاب

الصفحة 8212 من 23694

"أما ما يُدعى فمه فكأنما شُق بعد الخلق شقًا، وأما عيناه فكأنما دقتا بمسمارين دقًا. وأما لون بشرته، والعياذ بالله، فكأنما عُهد به إلى"نقاش"مبتدئ تشابهت عليه الأصباغ والألوان، فداف أصفرها في أخضرها في أبيضها في"بنفسجها. فخرج مزجًا من هذا كله لا يرتبط من واحد بسبب..."."

وتمضي عملية التمثيل والتشويه لتوفي على الغاية فيقول (وامسك نفسك) :

"وإنك لو نضوت عنه ثيابه وألبسته درّاعة من دونها سراويل، وأفرغت عليه من فوقها جبَّة ضافية، وتوجته بعمامة عظيمة متخالفة الطيات، لخلته من فورك دهقانًا من دهاقين الفرس الأقدمين! فإذا جرّدته كلَّه وأطلقته في البر حسبته فيلًا، أو أرسلته في البحر ظننته درفيلًا!".

وبعد أن يفرغ من"عمليته الآدمية"هذه يعود إليه يهدهده على حرير ناعم وعطر فاغم، لتحلو صورته في نفسك بعد أن اجتواها قلبك، واستعاذ منها لبُّك، فيقول معوّضًا إياه في روحه وظله، عما استباح من منظره وشكله:

"خفيف الظل، عذب الروح، حلو الحديث، حاضر البديهة، رائع النكتة، بديع المحاضرة.. وهو أجود من الريح المرسلة..".

ثم يخاطبه مسترضيًا:

"وبعد فإذا كنت يا صديقي قد وترتك بعض حقك، ولم أعرض جميع مزاياك، فلكيلا أجعل لأحد سبيلًا إلى الاتهام...".

وهذه صورة حسية أخرى،"جاحظية"يصف بها جسمًا آدميًا آخر، يبدو أنه كان- هو الآخر- معدودًا في جملة"هواياته" (22) .

".. إن عينك لا تكاد تسقط عليه حتى تشعر بما بين خلقه وبين (قيافته) من سوء التفاهم.. ولو تمثلته وقد بعد ما بين كتفيه، وتقارب ما بين كشحيه، وما يزال يتقارب في منازله إلى مستدق حذاءيه، لرأيت منه مخروطًا معكوسًا، أو على الأصح قمعًا مكفوءًا!".

وهذه صورة أخرى تذكرك بالجاحظ وصوره"الهندسية"البارعة، يصوّر فيها"زيور باشا"- من سياسيي مصر السابقين- (23) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت