فهرس الكتاب

الصفحة 8213 من 23694

"أما شكله الخارجي وأوضاعه الهندسية ورسم قطاعاته ومساقطه الأفقية، فذلك كله يُحتاج في وصفه وضبط مساحاته إلى فن دقيق وهندسة بارعة. والواقع أن"زيور باشا"رجل- إذا صح هذا التعبير- يمتاز عن سائر الناس في كل شيء، ولست أعني بامتيازه في شكله المهول طوله ولا عرضه ولا بُعد مداه، فإن في الناس من هم أبدن منه وأبعد طولًا وأوفر لحمًا، إلا أن لكل منهم هيكلًا واحدًا. أما صاحبنا فإذا اطلعت عليه أدركت لأول وهلة أنه مؤلف من عدة مخلوقات لا تدري كيف اتصلت ولا كيف تعلَّق بعضها ببعض، وأنك لترى بينها الثابت وبينها المختلج، منها ما يدور حول نفسه ومنها ما يدور حول غيره، وفيها المتيبس المتحجر، وفيها المسترخي المترهل. وعلى كل حال فقد خرجت هضبة عالية مالت من شعافها إلى الأمام شعبة طويلة أطل من فوقها على الوادي رأس فيه عينان زائغتان، طلَّة من يرتقب السقوط إلى قرارة ذلك المهوى السحيق!".

.. وبعد أن يعرض ما أُحصي على صاحبه هذا من أمور مستنكرة في حق القضية الوطنية، وما أخذ عليه من سفهٍ في أموال الدولة واستهتار بمصالحها... يخلص إلى هذا الحكم الطريف:

"ولعل العضو الوحيد المقطوع ببراءته من كل ما ارتكب من الآثام هو مخّ"زيور باشا"، فما أحسبه شارك ولا دخل، في شيء من كل ما حصل!".

وهذا نموذج آخر من تصويره لا يقوم على الوصف الحسي، بل ينصرف إلى أخلاق"نماذجه"وطباعهم، يصف لنا فيه بخيلًا من أعجب بخلاء العصر، ولكن ليس فيه ظرف من عرفنا من"بخلاء"الجاحظ (24) :

"... وأما الثياب فلا يكفي لتغييرها أن تحول، أو يلحقها النصول، أو أن تبلى خيوطها، أو أن تتخرّق عروضها، فهو لا يتركها بل هي التي تتركه حين يدركها الفناء، فتطاير عنه تطاير الهباء".

وهذا نموذج آخر من"بخلائه" (25) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت