فهرس الكتاب

الصفحة 8214 من 23694

".. كان يخالف سنة البخلاء في خلَّة واحدة: ذلك بأنهم، كما تعرف، يقتِّرون على أولادهم وعلى أنفسهم معًا، ولكن هذا إنما كان تقتيره موجهًا على عياله وحدهم. أما نفسه فكان لا يحقن فيها شهوة، وبخاصة شهوة الطعام، بل لقد كان يبلغها من هذا غاية مناها!."

.. وأما العشاء، فله فيه صنع بديع! يدخل وقت العشاء فإذا صاحبنا قد سلف وأعد بعدد الأولاد"ملاليم"، فإذا اجتمعوا إليه مستشرفين لعشائهم قال لهم:"اللي ياخد مليم ما يتعشاش، واللي يتعشى ما ياخدش مليم! مين اللي ياخد مليم؟ ويدفع أحدهم فيقول: (أنا!) وعلى حكم غريزة التقليد في الغلمان، يسرعون فيتصايحون: (أنا! أنا! أنا!) ، فيدفع إلى كل منهم مليمه، وكفاه الله مؤونة العشاء، أعني عشاء الأطفال!)."

"وبعد فللفطور قصة أخرى: ذلك بأنه زعم للزيات القائم على رأس الشارع، أن لديه حملًا يربيه ويحب أن يسمنه، ويجزل لحمه وشحمه، وليس يعقد له ذلك ويسرع فيه أفضل من خلاصة (26) (تصافي) قِدر العصر، ويبعث إليه بها في الصباح الباكر، والأولاد نيام، فيفرغها في صحفة كبيرة، ويعالجها بقدر من الخل، ويصفف حولها كسر الخبز التي أفضلها الأولاد في غداء أمسهم. حتى إذا هبوا من النوم، وأحشاؤهم تتنزى من شدة الجوع، فتواثبوا إلى الطعام، صاح فيهم: (اللي عاوز يفطر يجيب المليم!) فلا يسع كلًا منهم إلا أن يطرحه إليه، مواتاة لإلحاح البطن، وإيثارًا للعافية، فسرعان ما تعود تلك الملاليم إلى عشها، وتعتصم بوكرها!".

أما يوم موت هذا البخيل"الفذ"فكان يومًا مشهودًا:

"وفي يوم موته، رحمه الله، لم ينتظر هؤلاء الأولاد حتى يقسموا التركة، ويهتدوا إلى اسم المصرف الذي يكنز فيه (المرحوم) ماله، بل لقد كنت ترى أحدهم يهرول في الطريق وعلى رأسه (شبَّاك) ، والثاني وعلى كتفه مصراع باب، وثالثًا يحمل بين يديه طستًا، ورابعًا يحمل مقطفًا ملئ بالصنابير (الحنفيات) وهكذا!...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت