ومثل هذا عنده كثير، وكله يدل على مبلغ ما يتمتع به كاتبنا من قدرة فائقة على التصوير قلّ أن يجود بمثلها الدهر، وقد سقنا بعض نماذجها، وللقارئ أن يقع على الكثير من أمثالها في تضاعيف كتبه.
سخريته ونكاته:
سخرية الكاتب ودعابته لا تنفصلان عن وصفه وتصويره. وفي"النماذج"القليلة التي سقناها أمثلة بينة على ذاك، وفيها قدر كفاية. ولكن لدى الكاتب جانبًا آخر من جوانب السخرية اشتهر به، يتصل بحياته العادية بين الناس، ومعايشته لهم، وهو جانب"النكتة"، وهو يؤلف قاسمًا مشتركًا بين شخصيته وأدبه. ففضلًا عما فيه من دلالة على شخصيته وحلو مفاكهته، فإن فيه أيضًا أبلغ الدليل على رهافة حسه ورقة طبعه، وهي صفات لا تلازم غالبًا إلا الأصلاء المتميزين بأدبهم وفنهم، يصدق ذلك على قدمائهم ومحدثيهم، وهم كثير، منهم على سبيل المثال الأعشى والحطيئة، في الجاهلية، ومنهم الفرزدق وجرير، في العصر الأموي، ثم بشار وابن الرومي والمتنبي والجاحظ والمعري وغيرهم.. وكلهم فحول أفذاذ، ترتبط حياتهم بفنهم وأدبهم أقوى ارتباط وأوثقه، ولن نفيض في الكلام على هذا الجانب عند أديبنا"البشري"وسنكتفي بعرض بعض من هذه النكات التي تزيد في جلاء صورته وكشف طبيعته ومزاجه. منها، وهي مصوغة بقلمه، بعنوان (في الخدمة!) :
"لقيني اليوم في الترام لحَّاد (تربيّ) مشهور أعرفه، فسلَّم وسلَّمت، وأقبلت عليه أحييه، بما جرت به عادة الناس، وأسأله عن شأنه، فقال لي يرد التحية في لهجة تشف عن الصدق والإخلاص: (احنا في الخدمة!) ، فقلت له: الله يحفظك! فأجاب من فوره كذلك في إخلاص ولهفة: (ربنا لا يحرمنا منك!) ".
وأخرى بعنوان:
أعوذ بالله!