فهرس الكتاب

الصفحة 8217 من 23694

للكاتب أسلوبه الذي يدل عليه، وهذه أولى ميزات هذا الأسلوب، ولعلها أهمها. وهو أسلوب تفرد به حتى عدّ- كما شهد له بذلك طه حسين-"مدرسة وحده"في جيله، ووصفه بالكاتب العظيم حين قال: إن المثقفين"ليسوا من الجحود والعقوق بحيث يقصرون في ذات كاتب عظيم كهذا الكاتب العظيم. وعنده أن أسلوبه"أرفع وأعسر وأشد استعصاء من أن يتعلق به المتأثرون والمقلدون..". هو إذًا في أسلوبه، غير مقلد فلا مجال لإلحاقه- كما أسلفنا في القسم الأول من هذا المقال- بـ (المدرسة التقليدية) ، ولا هو مقلَّد، فلم يتعلق به أحد كما قال طه حسين، ولم يحاول تقليده أحد. وقد رأينا مع ذلك أنه أقرب- بأسلوبه خاصة- من مدرسة المحافظين، فهو في جزالته وقوة أسره وتقيُّله العبارات البدوية التي تبدو أحيانًا وكأنها قدّت من صخر، أقرب إلى هذه المدرسة وألصق بأصحابها وحاملي رايتها."

وللكاتب، مع ذلك، تعابير فريدة خصّ بها وخصت به، تدل على حيوية أسلوبه، وحرصه على تصيد الكلمات الحية المعبرة. وزاد على ذلك فاعترف بأنه يسف أحيانًا إلى"العامية الشائهة"إذا اقتضاه المقام ذلك، يقول (28) :

"ولعلك آخذي بأنني أسفّ أحيانًا إلى العامية الشائهة، فأوردها في درْج الكلام، وعذري في ذاك ما تعرف من أننا نكتب بلغة، ونتناول أسبابنا الدائرة بلغة أخرى، وهيهات لك أن تجلِّي على القارئ صورة كاملة من حديث قوم في مناقلاتهم ومنادراتهم، وما تطارحوا من فنون النكات، إلا بأن تورده كما نطقوا به، وبخاصة إذا كان يجري في التعبيرات التي تشيع على ألسنة الناس، وتذهب عندهم مذهب الأمثال، فإذا حاولت أن تؤدي هذا بفصيح اللغة فسد الغرض واختل نظم الكلام. وللإمام الجاحظ في هذا المعنى قول جليل فراجعه إن شئت في كتابه (البخلاء) ".

وهو رأي- كما ترى- يدل على روح تجديدي واضح إن لم يسلكه في عداد المجددين فهو لا يسيغ جعله في منأى عنهم، بل لا يمنع من عقد صلة من صلات القرابة معهم!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت