وفي رأي العماد الأصفهاني أن هذا الفتح لمدن الساحل لم يكن من صلاح الدين سوى سلَّم نحو تحقيق الهدف الكبير، حيث يتطلع كل عربي تطلع المشوق اللاهف إلى ما بعده وهو فتح بيت المقدس الذي طال انتظاره: ... يطول بها منه إليك التشوّق
وهيجت للبيت المقدّس لوعة
وغزوك هذا سلَّم نحو فتحه ... قريبًا، وإلا رائد (12) ومطرّق
هو البيت أن تفتحه، والله فاعل ... فما بعده باب من الشام مغلق
لقد كان الهدف واضحًا أمام القائد صلاح الدين منذ أن امتلك زمام الملك وتولى زعامة الأمة. غير أن الأمور مرهونة بأوقاتها، إذ كان لا بد من تحقيق جملة من الأعمال قبل خوض المعركة الفاصلة، وهكذا بعد سلسلة من المعارك والغزوات تم خلالها اقتحام حصون وقلاع واسترداد قرى وبلدان انعطف صلاح الدين إلى تدعيم الدولة وبنيانها، وتوطيد أحوالها وأوضاعها. ووجد من الحكمة أن يتظاهر أمام العدو بالمسالمة والمهادنة، فعقد معه صلحًا لمدة عامين (1180) ، دأب خلالهما على تجميع القوى وحشد الطاقات، وكذلك تعبئة الموارد وإعداد الجيوش. حتى إذا ما تم له ذلك، وتدفق عليه المجاهدون من جميع الأصقاع، بادر على عادته في بحث الخطير من الأمور، إلى جمع خلصائه وأعوانه، واستدعاء قادته وأركانه، وخاطبهم بما قر في نفسه، بعد الاتكال على الله، من الزحف على بيت المقدس، واسترجاع سائر الربوع المحتلة من أيدي الفرنجة، واستئصال شأفتهم من بلاد العرب والمسلمين. فلقي من مجلسه كل المساندة والتأييد، وبشروه بنصر من الله وفتح قريب. ... فما بعد العشية من عرار