لقد كانت معركة حطين شديدة الوطأة على الصليبيين، ولم يسبق أن ذاقوا مثلها منذ أن قدموا من ديارهم غازين. وقد هزموا هزيمة نكراء كما تحطم جيشهم الجرار، فراحوا بين قتيل وأسير. وكان يوم تاريخي أغر في حياة العرب والمسلمين بات مقرونًا على صعيد واحد بأمجادهم الكبرى أيام بدر والقادسية واليرموك..
وانطلق صوت الشعر يومئذ مهللًا لهذا النصر العظيم، وتكاثر الشعراء بباب صلاح الدين مهنئين، وتوالت عليه القصائد من كل حدب وصوب، وكلها رضى واستحسان وسعادة واستبشار. ومن هذا القبيل قصيدة لعلي بن الساعاتي (17) يقول فيها بنشوة عارمة (18) :
جلت عزماتك الفتح المبينا
رددت أخيذة الإسلام لما ... غدا صرف الزمان لها ضمينا
فيا لله كم سرت قلوبًا ... ويا لله كم أبكت عيونا
وما طبرية إلا عروس ... ترفَّعُ عن أكف اللامسينا
حصان الذيل لم تقذف بسوء ... وسل عنها الليالي والسنينا
فضضت ختامها قسرًا، ومن ذا ... يصد الليث أن يلج العرينا
قضيت فريضة الإسلام منها ... وصدقت الأماني والظنونا
تهز معاطف القدس ابتهاجًا ... وترضي عنك مكة (19) والحجونا
فلو أن الجماد يطيق نطقًا ... لنادتك:"ادخلوها آمنينا"
تخال حماة حوزتها نساء ... يخوضون الحديد مقنعينا
تميل إلى المثقفة العوالي ... فهل أمست رماحًا أم غصونا
يكاد النقع يذهلها، فلولا ... بروق الماضيات لما هدينا
أدرت على الفرنج- وقد تلاقت ... جموعهم عليك- رحى طحونا
ففي (بيسان) ذاقوا منك بؤسًا ... وفي (صفد) أتوك مصفدينا
فلا عدم الشآم وساكنوه ... ظبى تشفي بها الداء الدفينا
وقلب القدس مسرور، ولولا ... سطاك لكان مكتئبًا حزينا
وواضح من خلال القصيدة أن هذا النصر القومي للعرب على الفرنجة كان في الوقت نفسه نصرًا للإسلام إذ رد إليه صلاح الدين ما أخذ منه. فغدت عيون العرب قريرة به على حين فاض الدمع حزنًا من مآقي الصليبيين. ... بروق الماضيات لما هدينا
ذاك يوم أغر أشرقت فيه المنى، تبرجت طبرية عروسًا مجلوة افترعها القائد الظافر.