فهرس الكتاب

الصفحة 8238 من 23694

والتفت صلاح الدين إلى صور بعد أن استقدم أسطولًا من مصر لمحاصرتها من البر والبحر، غير أن الفرنجة أوقعوا بسفنه ضربة على حين غرة في إحدى الليالي ففك عنها الحصار بعد أن استعصى اقتحامها على جنده الذين أخذ منهم التعب مأخذه، ووجد القائد الأيوبي أن من الحكمة عقد صلح مع الفرنجة كي يلتفت إلى إصلاح بلاده وإراحة عساكره، وما لبث الأجل أن وافاه بدمشق في ليلة الأربعاء 27 من صفر سنة 589هـ/ 1193م، عن سبع وخمسين سنة. وكان يعتزم لو امتد به الأجل أن يستكمل إجلاء الفرنجة عن جميع ربوع الوطن، بل أن يغزو الجزر التي كانت في عرض البحر ليقطع عن أعدائه خطوط إمداداتهم من الأعتدة والمقاتلين، وبذلك يتسنى له استئصال جذورهم ومحو أثرهم. ... والدهر ساء، وأقلعت حسناته

وكان موته حدثًا فاجعًا، ولم يكن لدويه نظير منذ وفاة الخلفاء الراشدين. وقد ارتاع له الشعر، فرثاه أحر رثاء، وندب فيه تلك الخلال السمحة التي جعلته حبيبًا إلى القلوب، أثيرًا لدى النفوس، ورمزًا للدفاع عن حمى الدين وربوع الوطن.

وإن ما قيل من شعر ومن نثر في أعقاب هذا النبأ الأليم كان شديد الغزارة، ويكاد في معظمه يبكي العظمة والقوة، والحزم، والشجاعة، والعزة والكرامة، والتقوى والسماحة. ولعل قصيدة واحدة كقصيدة العماد الأصفهاني تصلح لأن تكون صورة للمشاعر المريرة في ذلك اليوم الحزين، كما أن كون أبياتها بلغت مائتين واثنين وثلاثين بيتًا يشير إلى مدى انغمار النفوس بمشاعر الأسى والإجلال:

شمل الهدى والملك عم شتاته

أين الذي عنت الفرنج لبأسه ... ذلًا، ومنها أدركت ثاراته

لو كان في عصر النبي لأنزلت ... في ذكره من ذكره آياته

ما كان أسرع عصره لما مضى ... فكأنما سنواته ساعاته

*** ... إذا انقضوا على الأبطال صادوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت