فهرس الكتاب

الصفحة 8239 من 23694

وإذا كان يحسن بالدارس- بعد هذا الرصد النسبي للعديد من النصوص الشعرية- أن يضع هذا الشعر في ميزان النقد محاولًا أن يتلمس طبيعته ويستجلي ملامحه، ثم أن يجيل فيه النظر، فيستخلص ما له وما عليه ويخرج بعد ذلك بصورة أمينة وجلية له، فقد يكون من المجدي أن يفضي بنا القول إلى ما يلي:

كان للشعر العربي دور هام في أحداث هذا العصر، ولا سيما عبر القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي، وذلك في ظل المثلث القوي: عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين، وهم القادة العظام الذين عاصروا المد الصليبي في بلاد العرب ثم انحساره، كما واكبوا الأحداث الجسام وكانوا في كثير من الأحوال هم صانعيها.

وغدا الشعر عهدئذ ترجمانًا قويًا لما كان يضطرب به ذلك العصر من وقائع وأحداث، بعد أن كانت مضامينه ضحلة محدودة. وإن في مواكبة القصائد لأحداث عمرها، وجعلها من القوافي مرايا لما حولها... كل ذلك أعطى الشعر سمة الحياة وطابع الصدق وغدا هذا الشعر الموروث عن تلك الحقبة سجلًا ذا أهمية معرفية في وصف الكثير من الأحوال والملابسات، بل تأريخ ما لا يستطيع التاريخ النهوض به من تصوير منازع الأمة ورصد ضميرها ومشاعرها.

وكان الشعر يحفز القادة والحكام على العمل، ويقوي فيهم العزم على الجهاد، ويزيد في نفوسهم الشعور بالثقة والبأس. ومعلوم أن كثيرًا من الشعر العربي، ولا سيما هذا الشعر الملتحم بالأحداث، شعر محفلي يلقى إلقاء في المساجد، أو ينشد إنشادًا في المجالس، بين يدي أولي الأمر وذوي الشأن، وذلك على ملأ من الناس، حيث يحرص كل حاكم أو قائد على أن يقع في نفوس القوم الموقع الذي يريدون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت