ومن جهة أخرى، كان كل حادث سعيد من تسلم زمام الأمور أو قهر خصم، أو تحقيق انتصار على عدو... حافزًا يهيج قرائح الشعراء ويضاعف نظمهم، فتلتئم في إثر ذلك المحافل، وتنطلق الألسنة على المنابر... ويكون لذلك كله وقع في إمتاع العامة وإرضاء الخاصة، حيث تغدو للأدب مهمة إعلامية ودعائية بالغة الأثر في تهيئة النفوس وتوعية العقول وتعبئة المشاعر.
وكان الحكام، ولا سيما القادة في هذا العصر، يحرصون على حضور هذه المحافل الحاشدة أيام الجمع والأعياد وفي أعقاب تولي الأمور وتحقيق الانتصارات، فيطربون لما يسمعونه من حمد وثناء، ويجودون على الشعراء بما يكون لديهم من فضل وعطاء.
على صعيد آخر فإن في حرص الشاعر على ذكر مجموعة من أسماء القادة الأعلام والأمراء الحكام الذين ارتبطت شخصياتهم بالأحداث، وكذلك إيراده أسماء البلدان والمواقع والحصون التي كانت مسرحًا لتلك الأحداث... كل ذلك كفيل بأن يضفي على تلك القصائد سمة واقعية بارزة. غير أن هذه الواقعية قلما تأخذ أبعادها اللازمة بسبب إغفال الشاعر في أغلب الأحيان للعناصر الزمانية والمكانية الملازمة لمجرى الأحوال وسير الوقائع، والمرتبطة بطبيعة القتال وطابع العراك، أو ما يكون من التصدي والالتحام، أو ما يتصل بذلك من كر وفر، ومطاردة ومصاولة، أو صيحات الحرب وحمحمات الخيل، أو صليل السيوف وتشاجر الرماح.. الخ. فكثيرًا ما يجنح الشعراء، على معهود الأعراف الأدبية السائدة، إلى التعميم والمبالغات، وينجم عن ذلك في نهاية الأمر غلبة التسطح على القصائد وافتقادها عناصر الرصد التسجيلي والتصوير الواقعي، إلا ما كان على نحو محدود ومن خلال أشعار قليلة... وتبعًا لذلك كله توارت خصوصية هذا الشعر، وغلب عليه التشابه، واختلطت خلاله النماذج، وكان أن افتقد قدرًا كبيرًا من الجدة والطرافة ومن التميز والأصالة.