وقد يكون من العسير أحيانًا- في مقابل غياب الصفة التوثيقية لجانب من هذا الشعر- أن يتمكن الدارس من التمييز بين القصائد التي كانت تقال في العديد من المناسبات، كوصف معركة أو تهنئة بنصر... كذلك يصعب الاهتداء خلال هذه الأشعار إلى مناسبات هذه القصائد وفرز ما كان منها مثلًا في أعقاب الظفر في حطين أو فتح القدس... فالشاعر العربي نفسه يؤثر التحدث في العموميات ويطيب له أن يحوم في فلك السجايا المثلى والخصال المجردة ونحو ذلك مما يصلح لأن يقال في أحوال متعددة وأزمان متباعدة.
وإن استقراء الأشعار التي تجاوبت فيها أصداء الغزو الصليبي يشير بجلاء إلى أن محورها كان صورة البطل، وما ينطوي عليه من الخصال والفعال، ومن ثم تمجيده ونسبة الفضل إليه، وهذا منحى يمكن تقبله وفهم دواعيه لأن الانعطاف الذي تحقق بخروج العرب من عهد الضعف والتمزق إلى عهد المنعة والتلاحم إنما مرده إلى همة أفراد بعينهم جاد بهم الزمان على الأمة بعد طول قحط واحتباس، فكان أن أنجبت تلك الأيام قادة عظامًا مثل عماد الدين ونور الدين وصلاح الدين وأمثالهم، الذين ألفوا القلوب المتنافرة وجمعوا الجهود المبعثرة، ورأبوا الصدع، ووحدوا الشمل... وكان كل ذلك إيذانًا بنصر من الله وفتح قريب..
ومع ذلك وبرغم التركيز على صورة البطل الفرد وما تنطوي عليه في أغلب الأحيان من مبالغات معهودة، فإن الشعراء لم يغفلوا دومًا المجهود الجماعي للمجاهدين وسائر المقاتلين في الجيوش المظفرة، لأن هؤلاء في حقيقة الأمر هم الذين يجودون بالأرواح ويصنعون النصر، ومثل هذا المنحى ظاهر في قول ابن القيسراني (32) :
وجند كالصقور على صقور
إذا أخفوا مكيدتهم أخافوا ... وإن أبدوا عداوتهم أبادوا