فهرس الكتاب

الصفحة 8242 من 23694

ولعل من الأسباب التي أدت إلى افتقاد القصائد المدحية- الحماسية التي نظمت في عصر الغزو الصليبي لذلك التميز المطلوب في العمل الأدبي وللتألق المنشود في النص الشعري إنما يرجع إلى أن الشاعر في تلك المرحلة قلما كان شاهدًا للمعركة يراها من كثب ويعاينها من قرب ويعيش أهوالها وينفعل بأجوائها... كما كان شأن السالفين من الشعراء الفرسان، أو ما كان من شأن بعض الشعراء في عصور لاحقة ممن لزموا القادة في غزواتهم وصحبوهم في حلهم وترحالهم، مثل أبي تمام الذي كان في ركب الخليفة المعتصم يوم وقعة عمورية، ثم أبي الطيب الذي كان في صحبة أميره سيف الدولة إبان معركة الحدث.. وما من ريب أن مثل هذا الشرط لم يكن تحقيقه يسيرًا على كل شاعر. ومن جهة أخرى فإن تسارع الأحداث وتباعد البقاع كانا يحولان غالبًا دون مثل هذه المشاركة من قبل الشعراء. وكثيرًا ما كانت قصائد التهنئة والمديح والتمجيد ترد من أصقاع عربية وإسلامية بعيدة قد تبلغ أقصى خراسان أو أقصى الأندلس، تبعًا للطابع الشمولي للأحداث الذي تجاوز النطاق المحلي المحدود، إلى رحاب الجهاد الديني والقومي الشامل.

ومن طوابع الشعر الحماسي في ذلك العصر، أن أكثر الشعراء في قصائدهم الجهادية دأبوا على تناول هذا الموضوع المتصل بالأحداث على أنه موضوع مدحي يدخل ضمن الإطار الشامل لذلك الغرض البارز من أغراض الشعر العربي... وهذا المفهوم السائد والمتوارث عند الشاعر كان يقوده بطبيعة الحال إلى التركيز على شخصية البطل أو القائد أي على شخصية الممدوح، بحيث يتخذه محورًا ومنطلقًا لأوصاف جزئية ومعان جانبية تتصل بصفاته قبل كل شيء، وتغدو معها سائر العناصر الملحمية ثانوية تدور في فلك هذا الفرد الموصوف أو الممدوح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت