تلك الأرزة العالية الإنسانية لا بد لها ما دامت إنسانية من أن تصفر في زمن الخريف على خلاف أمانيها. وكأنما شعرت أنها قدمت لمجتمعها أكثر من وسع طاقتها. قدمت مثلًا رائعًا لكل فتاة وسيدة تعملان في ميدان الأدب وتجريان في حلبة النضال الثقافي والاجتماعي. ولما دهم فصل الشتاء شتاء العمر انزوت في بيتها وآثرت العزلة المطمئنة ثم أخْلَت الحلبة والميدان للفارسات الأديبات المثقفات من بنات قومها وللفوارس الأدباء المثقفين من بني قومها لعلهم جميعًا يجرون على منهاجها ويطبعون على غرارها ويقصون أثرها. وانتقلت إلى رحمة ربها في الخامس والعشرين من كانون الأول عام 1965 عن عمر حافل بالجد والنشاط والعمل ويكاد يوفي على السابعة والسبعين.
وربما كان من المفيد في رأينا وبإجمال القول إنشاء جائزة باسم ماري عجمي تمنحها هيئة أدبية راقية أهلية أو رسمية كل فتاة بلغت في الأدب العربي والنضال القومي والاجتماعي مبلغًا ممتازًا. وحبذا أيضًا لو وضعت وزارة الثقافة والإرشاد القومي حجرًا رخاميًا على جدار البيت الذي كانت تقطنه إن تصعّب جعله متحفًا.
أولًا يجدر بنا في الختام أن نهتف لماري بشعر يكرّم ذكرى ميلادها المئوية إذ غنت لنا طول حياتها أناشيد قومية ووطنية شاجبة، وغرست لنا أغراسًا بهية زاهية، وقدمت لنا أعمالًا نيرة باقية:
كالنجم لاحت من وراء غمام
وسرت على أرض الشآم كَدُرّةٍ ... تنهلّ بالآمال والأحلام
وتألقت طول المسيرة قدوةً ... في الخير والإيمان والإقدام
ومشت على نهج المسيح وحبّه ... تحنو على الأرواح والأجسام
عجمية عربية بكلامها ... وبيانها تنأى عن الأعجام
يأسو الجراحَ حنانها وبنانها ... ببيانها يجتاح كل ظلام
شعرًا ونثرًا مثلما شاء الهوى ... كالدر منظومًا ودون نظام
كالأرز ناهضة الجبين عليّة ... في جذعها سرّ الإباء السامي
نور القريحة والفؤاد تخللا ... غبش الدجى وحوالك الأعوام
أيان كانت أغدقت من قلبها ... حبًا هو الداعي لكل وئام