فهرس الكتاب
كان امرؤ القيس غزلًا ميالًا بطبعه إلى اللهو، مستغرقًا يحب الشهوات طالبًا اللذات. وشجعه على هذا السلوك مُلكُه وترفه وما منحه الله من جمال الوجه حتى قيل: إن الناس قيسوا بجمالهم إليهم (10) . وفوق ذلك كله كان استعداده الفطري مقويًا لذلك السلوك فجاهر بغزله الصريح، وتحدث عن النساء بأسمائهن في أكثر من قصيدة. لهذا عده ابن قتيبة من عشاق العرب وزناتها (11) . بيد أن المرء يلاحظ أن حياته لم تستمر على الشاكلة التي وصم بها؛ فمقتل أبيه غيّر سلوكه، وجعله رجل جد يسعى إلى الأخذ بثأره بعد أن كان رجل لهو يدب إلى حرمات النساء. فقد حرم الطيبات التي أحبها على نفسه وأقسم ألاَّ يصيب امرأة وألاَّ يغتسل أو يدهن أو يشرب خمرة حتى يدرك وتره من قاتلي أبيه. ويبدو أنه يملك همّة عالية وينطوي على نفس طموح إلى المجد، ولا أدل على هذا من شعره، الذي يقول فيه (12) : ... كفاني -ولم أطلب- قليل من المال
فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ
ولكنما أسعى لمجدٍ مؤثلٍ ... وقد يدركُ المجد المؤثل أمثالي
حمل امرؤ القيس عبء الثأر على عاتقه دون إخوته، وأخذ يعد العدة لحرب بني أسد وأظهر رغبة أكيدة في إعادة ملك أبيه وأجداده؛ فارتحل طالبًا العون مرة من أخواله بني ربيعة، ومرة يستحث أبناء عمومته من اليمن وقبائلها (13) . ولكنهم جميعًا انفضوا عنه بعدما أمدوه، بينما يرى أنه لم يشتف من بني أسد.. ويبدو أن الحظ قلب له ظهر المجن مع القبائل العربية؛ بل لعل مما زاد الأمر وبالًا عليه ما فعله المنذر بن جابر السماء. فقد جهز جيشًا كبيرًا يطلب فيه عنق امرئ القيس، فهرب لاجئًا إلى (المعلى) - وكان من جديلة طيء- (14) ولم ينجه إلا دخوله في ملك الروم، وكانت بلاد الشام تابعة لقيصر بيزنطة. وقد ذكر ذلك في شعره مادحًا المعلى الذي أجاره ومنعه من المنذر (15) : ... نزلت على البواذخ من شمام
كأني إذ نزلت على المعلى
فما مَلِك العراق على المعلى ... بمقتدر ولا ملك الشآم