فهرس الكتاب

الصفحة 8385 من 23694

إن نظرة متأملة إلى هذا الخبر - وإن تكن عجلى - توضح بهتانه، وتفضح كذب ناسجيه. ولعل أكثر ما ينفيه محاولة الاستيلاء التي قام بها الحارث الغساني على أدرع الشاعر (18) ، وكلنا يعرف أن الحارث قتل أحد أجداد امرئ القيس وهو عمرو بن حجر الملقب بالمقصور (19) . فاستعانته بالحارث للوصول إلى بلاط الروم قصة عجيبة غريبة تنكرها أخبار القبيلتين، وخبر امرئ القيس معه باطل ينكره الشعر الذي تقدم ولا يؤكده أي بيت في الديوان. فلو قرأه المرء لما وجد بيتًا واحدًا يوحي برد الجميل للحارث الغساني. ترى ألا يستحق مدحًا وثناء على صنيعه؟ وكيف يتفق عدم ذكره وكلنا يعرف أن الشعراء شدوا الركاب إليه مادحين؟ ولعل أبرزهم النابغة الذبياني وعلقمة الفحل وحسان بن ثابت وغيرهم (20) . ويبرز شعره أنه مرَّ بحوران وخملى وأوجر من بلاد الشام ويذكر أنه لم ير ما يُسرُّ به بعد أن قطعت الحاجة أسباب اللقاء بأهله، وبأسماء.

ويجتاز تلك الأماكن إلى حماة وشيزر على إبله التي أجهدها في السير (21) :

تذكرت أهلي الصالحين وقد أتت

فلما بدت حوران في الآل دونها ... نظرتَ فلم تنظر بعينيك منظرا

تقطَّعَ أسبابُ اللبانة والهوى ... عشية جاوزنَا حماة وشيزرا

بسير يضج العَوْد منه يَمُنُّهُ ... أخو الجهد لا يلوى على من تعذرا

ويتساءل المرء ما الذي دعاء إلى تغيير طريقه عن الحارث الغساني وهو الوسيط له عند ملك الروم؟!! ويذكر أنه مرَّ ببعلبك فأنكرته مثلما أنكره أهلها وابن جريج في حمص: ... ولابن جريج في قرى حمص أنكرا

لقد أنكرتني بعلبك وأهلها

إن توجه امرئ القيس إلى قيصر ثابت من خلال هذه القصيدة الموثقة، ولم يكن ادعاء. وتراه مصممًا على رحلته مقيمًا العذر لنفسه بقوله لو أراد غزو بني أسد بقبائل من حمير لفعل: وهو الذي ألجأهم إلى وادي (جو ناعط) باليمامة؛ كما يفهم من القصيدة: ... ذمول إذا صام النهار وهجرا

فدع ذا وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍ

عليها فتى لم تحمل الأرض مثله ... أبرَّ بميثاقٍ وأوفى وأصبرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت