فهرس الكتاب
هو المنزل الأُلاَّف من جو ناعطٍ ... بني أسدٍ حزنًا من الأرض أوعرا
ولو شاء كان الغزو من أرض حميرٍ ... ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا
وتظهر القصيدة أن الشاعر عمرو بن قميئة الشيخ المجرب لم يصدق أن امرأ القيس سيبر بميثاقه، ولم يتيقن من هذا إلا حين أدرك أن الأميال تفصله عن دياره؛ فما كان منه إلا أن بكى غربة الوطن والأهل. وقد وجد حتفه يمشي بين يديه؛ بل إنه يسير إليه بأقدامه. وأحس بهذا يوم رأى (الدرب) أمامه. والدرب - على ما يراه الدكتور عبد الحفيظ السطلي في لقاء معه - ممر مرصوف بالحجارة يصل ما بين بلاد الشام والروم لا تؤثر فيه عوامل الطبيعة؛ ليكون العبور عليه ميسرًا للمشاة والخيل صيفًا وشتاءً (22) ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا
عقدت الدهشة لسان عمرو، وضاق ذرعًا بما يحس به من فراق الأهل والخوف من المجهول فلم يتمالك من البكاء. أما شاعرنا فقد طفق يهدئ من روع الرجل، ويمنيه بالأماني حينما يعود ملكًا وسيدًا في قومه:
بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه
فقلت له: لا تبك عينك إنما ... نحاول مُلكًا أو نموت فنعذرا
وإني زعيم إن رجعت مُملَّكًا ... بسيرٍ ترى منه الفُرانق أزورا
ويؤرخ لنا ما لاقاه في طريقه من إعراض الأصحاب، وقد ازدوجت آلام الغربة. فكلما توقع من إنسان حسن الصحبة ورجا رفقته بدأ منه الإنكار وعدم الرضى. كما يحصي لنا عدد الليالي التي قضاها بعد مغادرته أراضي الجزيرة (خلف منطقة الحساء) : ... وراء الحساء من مدافِعِ قيصرا
إذا نحن سرنا خمس عشرة ليلةً
إذا قلت: هذا صاحب قدْ رضيته ... وقرَّت به العينانِ بُدِّلتُ آخرا
كذلك جدِّي ما أصاحب صاحبًا ... من الناس إلا خانني وتغيَّرا
ويعترف الشاعر بأنه خاض حروبًا مع أشخاص غرباء في مواضع من حلب (تادف وقُذاران) . وكان انتصاره في حربه هذه تذكرة بأمجاد آبائه من قبل؛ ولعلها تخفف من حرقة غربته كما تخفف من آلامه لتنكب الأصدقاء: ... بتأذف ذات التل من فوق طرطرا
ألا رُبَّ يوم صالح قد شهدته