فهرس الكتاب
هل انتهى الأمر عند هذه النقطة؟ بالطبع لا. فموت الفجاءة دهم شاعرنا وقد نكبه الدهر بالجدري والجرب، ولكن من أراد أن يميته بالحلة المسمومة لم ينه رحلته على هذه الشاكلة بل جعلها رحلة ممتعة، فنسج له قصة حب مع ابنة القيصر. وقيل: إن الملك الرومي استعظم فعل امرئ القيس الدخيل الذي قدم طالبًا عونه ومدده. صار القيصر المتهتك فجأة شريفًا أبيًا تندفع الحمية إلى رأسه حين تناهى إلى مسامعه ذلك النبأ (29) . ... أنك أقلف إلا ما جلا القمرُ
ولم ينته السخف عند هذا الخبر بل أدخل السمَّار امرأ القيس إلى الحمام مع القيصر. وكان الشاعر قد رآه (أقلف) فذكر ذلك في شعره (30) :
إني حلفت يمينًا غير كاذبة
إذا طعنت به مالت عمامته ... كما تجمع تحت الفلكة الوبر
لعمري كيف يدخل الملك مع امرئ القيس عاريًا وتثور حميته عليه في الوقت نفسه حينما أحب ابنته؟ ... ليُلبسني من دائه ما تلبسا
وإذا تركت أخبارًا كمثيرة عارية عن الصحة فإنني أتوقف على خبر الطماح الأسدي واسمه حبيب، وكان امرؤ القيس قتل أخاه؛ فطوى كشحًا على مستكنة واندس إلى بلاط القيصر - وكان منه بمكان - وعمل على إيغار صدره، واحتال له وأشار إليه أن يبعث إلى الشاعر بالحلة المسمومة ففعل (31) . وإذا كان العقل يقبل وجود رجل في بلاط الروم فإن العقل بجانب الحقيقة لو اقتنع بفكرة الحلة المسمومة. ولا أدل على ذلك من شعره الموثق الذي يقر فيه بمكائد الطماح على الرغم من البعد المكاني بين الاثنين (32) :
لقد طَمَح الطماح من بُعدِ أرضه