فهرس الكتاب

الصفحة 8451 من 23694

تابعنا سيرنا باتجاه الشرق فوصلنا إلى إحدى السواقي الغزيرة فوجدنا على ضفتها بعض الفقراء الذين يغسلون أسمالهم في مياهها وينشرونها على الصخور المجاورة لتجففها أشعة الشمس، كان هؤلاء الدراويش ناحلي الأجسام وعيونهم غائرة في محاجرها، وشعورهم طويلة مسدلة على أعناقهم بشكل مشوش، وقد وضع أحدهم قدميه في الماء وراح يستسلم للتأمل العميق، بينما كان الثاني يحاول إشعال غليونه دون أن يعيرنا أي اهتمام.

وما إن تجاوزنا هذه الساقية حتى تبدلت أمامنا الصورة تمامًا، وحلت القرى المزدهرة محل القرى البائسة، والأراضي الخصبة التي ترويها السواقي بدل الأراضي الصخرية والكلسية الجرداء.

قررنا الراحة بعد هذه المسيرة الصعبة، فجلسنا في إحدى الحقول المزروعة، تحت ظلال شجرة جوز ضخمة، وما هي إلا دقائق حتى انضم إلينا أربعة أو خمسة رجال، جاؤوا إلينا يتضاحكون ويراقبون تصرفاتنا ويقدمون لنا كل ما كنا نحتاج من خدمات. كانت بين هؤلاء الرجال فتاة تبلغ من العمر حوالي ثمانية عشر عامًا، وكانت تبدو مرحة وساخرة وأبدت اهتمامًا شديدًا بكل شيء وأخذت تتفحص بذكاء كل أمتعتنا وأدواتنا ومقياس الحرارة والارتفاع عن سطح البحر والكتب والخرائط، كما أخذت تذكر لنا أسماء القرى المجاورة لكي تبرهن لنا على إتقانها لجغرافية المنطقة.

والواقع أن الشعب السوري جذاب جدًا، وهو معروف بلطفه وذكائه الشديد وميله للدعابة. خاصة عندما لا يكون مسحوقًا من الأنظمة المتوحشة كالنظام العثماني. وإذا ما أُتيح لسورية في المستقبل إدارة نزيهة وطرق مواصلات جيدة فإنها ستصبح ولا شك بلدًا عظيمًا بالإضافة إلى جمالها الطبيعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت