عرطوز قرية هامة، وبيوتها حسنة البناء ومحاطة بالبساتين من كل الجهات. والقرى المجاورة لها غنية وخصبة وتكثر فيها الأشجار المثمرة بسبب توفر المياه. ومما لا شك فيه أن أراضي القرية تنتج محاصيل جيدة يمكن أن تسبب السعادة للفلاحين لولا الضرائب الفاحشة التي تثقل بها الدولة العثمانية كواهلهم وتدمّر اقتصادياتهم. كانت الليلة التي قضيناها في عرطوز شديدة الحرارة بحيث لم نتمكن من النوم إلا عند بزوغ الفجر على الرغم من أننا تركنا خيامنا مفتوحة للرياح. ولحسن الحظ أننا أصبحنا على مقربة من دمشق"جنة الله على الأرض". وبعد ليل مضطرب لم نذق خلاله طعم الراحة تقريبًا بسبب كثرة الناموس الذي أقض مضاجعنا، وضجيج الحصادين الذين يحيطون بنا، قررنا الرحيل باكرًا باتجاه دمشق. تابعنا السير عبر سهل فسيح ترويه السواقي وتنمو فيه الأشجار والمزروعات المختلفة، وتنتشر فيه القرى والمزارع هنا وهناك، غير أن السهل الذي على يسار الطريق كان أقل خصوبة تغطيه تربة مائلة للاحمرار لا ينبت فيها سوى أنواع من نبات الشيح الرمادي الذي يدل على عدم خصوبة هذه التربة.
وأخيرًا وحوالي الساعة العاشرة صباحًا بدت لنا بعض مآذن مدينة دمشق العالية، وقبابها الأنيقة التي تلمع مع أشعة الشمس. دخلنا مدينة دمشق عبر البساتين الغناء المليئة بأشجار المشمش الضخمة والتي تنمو في ظلالها الأعشاب الناعمة الكثيفة.
إنه لحدث في منتهى الأهمية أن يصل المرء إلى هذه المدينة الساحرة التي لا مثيل لها.
كان الطريق الذي سلكناه يتلوى مسايرًا ضفاف نهر بردى، تظللنا أشجار باسقة من الحور ذي الجذوع الفضية، وتحيط بنا الأعشاب الخضراء التي تبعث الرطوبة في الجو. وإلى يمين ويسار النهر تمتد بعض الحقول المستنقعية التي ينشر فوقها الصباغون المحليون أقمشتهم بعد صباغتها وسط شجيرات الليلكي ذات السنابل البيضاء والليلكية التي تداعب عناقيدها الرياح اللطيفة فتفوح عنها روائح منعشة.