فهرس الكتاب
وكان زيد طويلًًا جسيمًا، حسن الهيئة، جميل الصورة، بهيّ الطلعة؛ ولذلك كان يتقنع بمكة خشية افتتان النساء به، وكان من فرط طوله إذا ركب الفرس العظيمة تخط إبهاماه في الأرض (2) . ومع هذا كله فقد كان خطيبًا مفوّهًا وشاعرًا مجيدًا مقلًا، وقد ألف المفجّع البصري كتابًا شرح فيه غريب شعر زيد الخيل، كما قام بعض المحدثين بجمع شعره، ونشره في مجلة المورد (3) . وكان زيد أيضًا موصوفًا بالكرم، كما كان فارسًا من فرسان العرب المعدودين وكانت له جولات وبطولات، وقد استطاع في بعض المعارك أن يأسر فارس بني عامر: عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب. وجز ناصيته وأطلقه، مع أن عامرًا كان فارس قومه غير مدافع بعد عمه ملاعب الأسنة، وقد كانت بين زيد وابن الطفيل مهاجاة وردود. ولما أسر زيدٌ عامر بن الطفيل وجزّ ناصيته وأطلقه رفض قوم عامر أن يسلّموا الرئاسة له، وسلموها لمنافسه علقمة بن علاثة. ولفروسية زيد وشجاعته النادرتين ارتبطت باسمه بعض القصص الخيالية في الشجاعة والبطولة (4) .
ولا عجب في ذلك فقد ارتبط اسم زيد باسم الخيل حتى قيل له زيد الخيل لشهرته بالفروسية، فقد كان يشن الغارات فيقتل ويأسر، ويسبي ويغنم، ولا يعرف الهزيمة أو لا تعرف الهزيمة إليه سبيلًا، ولقد كان بسيادته يأخذ المِرْبَاع، وهو ربع الغنمية يأخذه سيد القوم خالصة له. فقد كاد قومه أن ينهزموا في إحدى المعارك، فخاطبهم قائلًا: أأحمل ولي المرباع؟ قالوا: نعم، فحمل على أعدائهم وهزمهم وأخذ المرباع. فليس ببعيد أن تعلو أصداء انتصاراته وتتردد على كل لسان، جاعلة منه الفارس المعلَم، والبطل المغوار، والكمي الباسل، كما يقول مفتخرًا بنفسه في إحدى قصائده:
أنا الفارس الحامي الحقيقةَ والذي
وقومي رؤوس الناس والرأس قائد ... إذا الحرب شَبَّتها الأكفّ المساعر
فلست إذا ما الموت حُوذرَ وِرده ... وأُترع حوضاه وحُجِّجَ ناظر (6)
بوقَّافة يخشى الحتوف تهيبًا ... يباعدني عنها من القُبِّ ضامر (7)