فهرس الكتاب

الصفحة 8568 من 23694

وقد ظل كثير من العلماء اللغويين والرواة يرفضون قياس شعر المحدثين أو روايته؛ فقد رفض خلف الأحمر (ت نحو 180هـ) أن يقيس شعر ابن مناذر (ت 198هـ) إلى شعر الجاهليين، ولما طلب منه الشاعر أن يفعل ذلك غضب، ثم أخذ صحفة مملوءة مرقًا فرمى بها عليه فملأه (12) . وقد كان هذا الشاعر يدرك عقم المنهج المتبع في نقد شعر المحدثين، فقد طلب من أحدهم أن يقرئ أبا عبيدة (معمر بن المثنى -ت 209هـ) السلام ويقول له: يقول لك ابن مناذر: اتق الله واحكم بين شعري وشعر عدي بن زيد، ولا تقل ذلك جاهلي، وهذا إسلامي، وذاك قديم وهذا محدث فتحكم بين العصرين، ولكن أحكم بين الشعرين ودع العصبية (13) .

وتبدو مقاومة الجديد في كثير من أحاكمهم النقدية، وبخاصة حين كانوا يوازون بين مفهوم"عمود الشعر"وما كان يجيء به المحدثون من جديد، وكان ابن الأعرابي (محمد بن زياد -ت 231هـ) شديدًا في حكمه على أبي تمام لمخالفته سنن القدماء والإتيان بمعان جديدة، حتى قال في شعره"إن كان هذا شعرًا فكلام العرب باطل" (14) ، وعلى الرغم من اعتراف بعضهم بجودة الشعر المحدث فإنه شديد العصبية للأوائل، فقد قال إسحق بن إبراهيم الموصلي (ت 235هـ) لأبي تمام: أنت شاعر مجيد محسن كثير الاتكاء على نفسك، يريد أنه يعمل المعاني (15) ، وكان هؤلاء النقاد يقيسون كل شعر محدث بمقياس عمود الشعر، فإذا وافقه استحسنوه، وإذا خالفه استهجنوه، حتى قال أحدهم حين سمع شعر أبي تمام:"فيه ما استحسنه، وفيه ما لا أعرفه ولم أسمع بمثله؛ فإما أن يكون هذا الرجل أشعر الناس جميعًا، وإما أن يكون الناس جميعًا أشعر منه" (16) .

ولكن أبا بكر الصولي (ت 335 أو 336هـ) يعزو مقاومة المحدث إلى جهل النقاد به (17) ، ومن هنا نفسر قول أحدهم لأبي تمام: لِمَ لا تقول ما يفهم (18) ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت