فهرس الكتاب
ومع ذلك فإننا لا نعدم أن نجد نقادًا دافعوا عن الشعر المحدث وانتصروا له بمنطق مقبول وحجج دامغة، وبخاصة في منهج القصيدة كما فعل ابن رشيق القيرواني (ت 463 وقيل 456هـ) إذ قال (19) :"وكانوا قديمًا أصحاب خيام: ينتقلون من موضع إلى آخر؛ فلذلك أول ما تبدأ أشعارهم بذكر الديار، فتلك ديارهم وليست كأبنية الحاضرة؛ فلا معنى لذكر الحضري الديار إلا مجازًا؛ لأن الحاضرة لا تنسفها الرياح، ولا يمحوها المطر... وكانت دوابهم الإبل لكثرتها، وعدم غيرها، ولصبرها على التعب وقلة الماء والعلف، فلهذا أيضًا خصُّوها بالذكر دون غيرها، ولم يكن أحدهم يرضى بالكذب فيصف ما ليس عنده كما يفعل المحدثون... وليس في زماننا هذا ولا من شرط بلدنا خاصة شيء من هذا كله... فالواجب اجتنابه إلا ما كان حقيقة، لاسيما إذا كان المادح من سكان بلد الممدوح، يراه في أكثر أوقاته، فما أقبح ذكر الناقة والفلاة حينئذ!".
وبناء على معظم ما سبق ذكره وعلى مقياسي"عمود الشعر"و"منهج القصيدة"كانت وحدة البيت من أبرز ظواهر نقدنا القديم، وقد ظلت مقياسًا للجودة والإتقان وتجلت في مظاهر مختلفة، ولكنها تصب في هذه الوحدة؛ فقد عدّ قدامة بن جعفر (ت337هـ) الإيغال حسنة،"وهو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تامًا من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع" (20) ، وعدّ المبتور عيبًا من عيوب ائتلاف المعنى والوزن معًا،"وهو أن يطول المعنى عن أن يحتمل العروض تمامه في بيت واحد، فيقطعه بالقافية ويتمّه في البيت الثاني" (21) ، واتخذ أبو هلال العسكري (ت395هـ) موقفًا مشددًا من قضية وحدة البيت وعدّ التضمين قبحًا (22) ، وكذلك فعل المرزباني (ت 385هـ) (23) وابن خلدون (ت 808هـ) (24) .