فهرس الكتاب

الصفحة 8570 من 23694

ويتابع ابن رشيق النقاد العرب في هذه الظاهرة ولكن حكمه أبعد وأنضج، فهو يحترم آراء الآخرين ويقدمها بروح علمية عالية، ثم يعبر عن رأيه بوضوح وصراحة قائلًا (25) :"ومن الناس من يستحسن الشعر مبنيًا بعضه على بعض، وأنا استحسن أن يكون كل بيت قائمًا بنفسه لا يحتاج إلى ما قبله ولا إلى ما بعده، وما سوى ذلك فهو عندي تقصير، إلا في مواضع معروفة، مثل الحكايات وما شاكلها، فإن بناء اللفظ أجود هنالك من جهة السرد"، ويلاحظ على المقطع الأخير أن ابن رشيق يفصل في هذه القضية بين الشعر الغنائي والشعر القصصي (الدرامي-الملحمي) ، فوحدة البيت، عنده، مستحسنة في النوع الأول، ووحدة القصيدة مستحسنة في النوع الثاني، وهذا رأي متقدم على زمانه.

ويمكننا أن نعد موضوع السرقات الشعرية من ظواهر وحدة البيت في نقدنا؛ فقد اعتمدت على الموازنة بين بيتين مهملة الشكل أحيانًا، فحكم الآمدي (ت370هـ) للفرزدق على أبي تمام دون أن يتعرض إلى الشكل (26) ، وتحامل الحاتمي (ت388هـ) على المتنبي حين أورد تسعة أبيات له، ثم أعاد كل بيت إلى غير شاعر دون أن يميّز تفرد المتنبي وأسلوبه المشرق وتسلسل القصيدة ووحدة الشعور، وجاء بعد ذلك حكمه الشديد، فخاطب الشاعر قائلًا (27) :"فلا معنى لك في هذه القافية إلا مقتفى، ولا إحسان أشرت إليه إلا مسترق محتذى".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت