فهرس الكتاب

الصفحة 8572 من 23694

وربما كان لنقدنا التجزيئي سبب مباشر في أن يتابع بعض المستشرقين أحكامهم حول تفكك القصيدة العربية واستقلال البيت فيها، وكأني بهؤلاء يطلقون أحكامهم على الشعر من خلال دراسة النقد، فقد جاء في"دائرة المعارف الإسلامية":"أن النقاد نادرًا ما نظروا إلى القصيدة على أساس أنها وحدة، بل كانت عندهم سلسلة محاسن غير متماسكة" (32) ، وعلى الرغم من الاعتراف بأن النقد العربي القديم كان يعالج الجزئيات ويقدس القديم والاعتراف بشاعرية المتنبي (33) فإن ذلك لم يمنع من أن يُحكم على الشعر العربي بمثل الحكم التالي:"كان ينبغي على كل شطر أن يشكل وحدة تامة بذاتها، هكذا الشعر العربي في جوهره مفكك؛ فهو سلسلة تعبيرات منعزلة بعضها عن بعض بحيث تتراكم، لكن بلا ترابط... وثمة صلة ضعيفة بين أبيات القصيدة أو أجزائها المختلفة. وشخصية الشاعر هي الرباط الوحيد في تشكلها" (34) ، وفي هذا الحكم إعادة لرأي أرسطو في تفرقته بين العمل الفني والتاريخ، وهذا يعني أن الشعر العربي يتساوى مع التاريخ الذي يروي الأحداث كلها، وهذا حكم يتناقض مع الحقيقة، لأنه ينبغي على الناقد أن ينظر في النص الشعري من خلال مقاييس عصره لا من خلال مقاييس عصورنا المتقدمة، وإذا عدنا إلى ذلك العصر وجدنا أن النقد متأخر عن الشعر وأن الشعر العربي القديم فيه قصائد مفككة كما فيه قصائد متماسكة لا تقل في جودتها عن مثيلاتها من الشعر الغنائي في العالم، ولا يجوز أن نطبق آراء أرسطو أو غيره على شعرنا لاختلاف طبائع الأمم وأحوالها وفنونها، هذا بالإضافة إلى اعتراف الكاتب الضمني بشاعرية المتنبي وأمثاله، وهذا دليل آخر على أن الحكم جائر بحق الشعر العربي وتعميمه يتناقض والحقيقة العلمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت