فهرس الكتاب
وتقول الأخبار: إن عبد الملك قال للراعي بعد أن سمع هذا البيت: فأين أنت من الله والسلطان لا أمّ لك؟ فأجابه الراعي يا أمير المؤمنين: من عامل إلى عامل، ومصدق إلى مصدق. ... لو نستطيع فداك المال والولد
لقد كان عبد الملك أكثر فهمًا للقصيدة من بعض الناس. ذلك أنه قال للراعي بعد سنة عندما قدم إليه مادحًا: أنت العام أعقل منك عامَ أول (3) .
يقول الراعي من القصيدة الثانية هذه مادحًا عبد الملك بن مروان:
أنت الحيا وغياث نستغيث به (4)
بل إن الراعي يرجو عبد الملك رجاء إذ يقول: ... لسائليك فلا منٌ ولا حسدُ
نرجو سجالًا من المعروف تنفحها
إن فطنة عبد الملك، جعلته لا يحس إحساس الممدوح بل إحساس المتهم من خلال عماله المقصرين. هذا فيما يتعلق بعبد الملك. أما فيما يتعلق بالشاعر، فالواضح أن القصيدة لا تكشف أن الباعث الحقيقي كان مدحًا، بل كان الباعث احتجاجًا ورفضًا للسياسة الاقتصادية، إذ أن بداية القصيدة تكشف عن هم مطبق ألمَّ بالشاعر، وليس ذلك ما يحس به الشاعر المادح عادة. ثم إن الراعي يقول: فلئن سلمت..."وليس هذا ما عودنا سماعه الشعراء المداحون: إن الشاعر كان يخشى غضب الخليفة وبطشه، ولم يكن يأمل العطايا والهبات كما هو الشأن مع الشعراء والمداحين. ... أقذى بعينيك أم أردت رحيلا"
وليس صحيحًا ما ذكرته الدكتورة عزيزة فوال نقلًا عن خزانة الأدب أنه قال:"من لم يرو قصيدتي في مدح عبد الملك بن مروان التي أشكو فيها من السعاة.... من ولدي فقد عقني" (5) . والرواية كما جاءت على وجه الدقة هي:"... وهي قصيدة جيدة كان يقول: من لم يرو لي من أولادي هذه القصيدة وقصيدتي التي أولها بأن الأحبة -وهي في هذا المعنى أيضًا- فقد عقني (6) . فلم يذكر كما جاء في الرواية أنه مدح عبد الملك بن مروان البتة."