فهرس الكتاب
أما المستوى الثاني فجاء بمنتهى الوضوح واليسر، إذ عرض الشاعر موضوعه بوضوح تام لا يستعصي فهمه على أحد، لا على أفراد قبيلته، ولا على العمال الذين شكاهم، ولا على الخليفة، حتى ولا على ابنته التي خاطبها في بداية القصيدة، واستخدم ألفاظًا سهلة واضحة، ويحس القارئ بسهولة، اختلافًا ما بين المستويين، الأمر الذي قد يدفع بعض القارئين لقصيدة الراعي إلى أن ينتهوا إلى أن القصيدة ذات موضوعين: الأول: الإبل والرحلة، والثاني: الشكوى والاحتجاج، وما يتصل بالموضوعين من تصوير للهم والأرق وعريف القبيلة أو الحديث عن مروان بن محمد، وهذا ما أشار إليه أبو زيد القرشي عندما سمى هذه القصيدة"مُلحمة"أي القصيدة التي تتلاحم أجزاؤها بعضها ببعض، ومن هنا أقول: إن القصيدة ذات موضوع واحد، وما الأجزاء التي جاءت في القصيدة إلا أبعاد أو صور أو لوحات تتحد وتتجمع لتشكل الموضوع الأساس، واتبع الشاعر كذلك مستويي تعبير كما ذكرت لقد طرح الشاعر موضوعه. في المستوى الأول: بريشة الفنان، الشاعر المحلق فجاءت بهذه الصورة. أما في المستوى الثاني: فكان يعبر عن قضيته بقلم المحامي (8) بل إنه استخدم أساليب المحامين وطرائقهم، من حيث عرض القضية والاحتجاج لها ودفع الاتهام، والتماس إحقاق الحق وغير ذلك.
وكان على الراعي أن يستخدم ألفاظًا واضحة صريحة مثل: رسالة، عويلًا، مظالمًا، التقلب، المنام، كسولا، حلفت، يمين، أكذب، طائعًا، عرب، أموالنا، الزكاة، تنزيلا، الرحمن، منافق، وهكذا
ولذلك فإن المستوى الثاني بوضوحه وسهولة فهمه، يعين على فهم المستوى الأول، وهذا ما يدعو إلى القول بأن القصيدة تمتاز بوحدة موضوعية وعضوية، فهي وحدة واحدة من المشاعر والأحاسيس متلاحمة الأجزاء كما عبر عن ذلك القرشي أبو زيد.