فهرس الكتاب
إن المدخل لفهم قصيدة الراعي بمستوييها، يتمثل في متعادلين مترابطين، الأول: التأزم الذي عاشه الراعي الشاعر، أو الانغلاق، وهو هنا الأرق، الهم، الاضطراب، الخوف. والثاني: التوازن أو الانعتاق وهو هنا، الوضوح، الصراحة، الشكوى والاحتجاج، طلب رفع الظلم ومعاقبة الظالمين وهذان البعدان -التأزم- والتوازن- لا تستغني عنهما عملية شعرية ناجحة.
بدأ الشاعر قصيدته ببداية ألفناها عند غيره من الشعراء، تتمثل بتساؤل من أحد الناس عن قلق الشاعر وأرقه، غير أن الراعي كان متفردًا في هذه البداية. فهو لم يصرح عن المتسائل إلا في ثالث بيت، ومعنى هذا وضع السامع أو القارئ في جو مغلق متأزم، وفي البيت الثاني يعرف القارئ أن المتسائل كان امرأة، ولم تكن هذه المرأة حبيبة أو زوجًا كما اعتاد الشعراء كأبي ذؤيب مثلًا، ولكنها كانت عند الراعي ابنته، وهي عنصر أقل إدراكًا لهموم الوالد من الأم فقلما تحس بما يعانيه أبوها. وقد يكون حضور شخص الابنة في قصيدة الراعي راجعًا إلى تلك المنزلة التي منحها الإسلام لها، وقد يكون استحضار صورة الابنة راجعًا أيضًا إلى أن الراعي وهو المصمم على عرض شكواه، لم يمنعه حبه المكين لابنته، وشدة تعلقها به، من تنفيذ فكرته والسفر إلى الخليفة كي يسمعه شكواه. يقول:
ما بال دفك بالفراش مذيلا
لما رأت أرقي وطول تلددي ... ذات العشاء وليلي الموصولا
قالت خليدة ما عراك؟ ولم تكن ... يومًا إذا عرت الشؤون سؤولا
ولعل مما يؤكد هذا الفهم، أن الراعي أتى بصورة خليدة وموقفها هذا في قصيدة أخرى ولكن بصورة أوضح عندما شكا السعاة أيضًا حيث يقول (9) : ... إن المنايا لميقات له عدد
قامت خليدة تنهاني فقلت لها
أما إجابة الراعي على تساؤل ابنته، فجاءت عامة غير محددة أو واضحة في البيت الرابع -وعدم التحديد ينسجم مع روح التأزم أو الانغلاق. ... همّان باتا جنبةً ودخيلا
يقول الراعي:
أخليد إن أباك ضاق وساده