فهرس الكتاب
ولكنه لم يبين طبيعة هذين الهمين أو ما هما، بل وصفهما لتضخيم أثرهما عليه. إن الاستعارة المكنية ليست كل ما في البيت السابق، وإنما حملت كل لفظة فيه شيئًا، مما كان يدور في خلد الراعي، إن الضيافة المقصودة عند العرب لم تكن إلا للسيد المأمول. ثم إن ضيافة الليل تشير إلى خطورة الأمر وأهميته، فما بالك إذا داهم الضيف مخدع المضيف، ولم يكن ضيفًا بل ضيفين أي همين ملكا عليه نفسه وأرقاه. وبالرغم من محاولات كشف الانغلاق من خلال هذا التحليل ما زال السؤال قائمًا، ما هما هذان الهمان؟ وهنا يأتي دور المستوى الثاني في التعبير الواضح الصريح، لقد كشف الشاعر في هذا الجزء عن أثر هذين الهمين في جسمه إذ نحل ودق، واشتعل شيب رأسه، وشحب لونه. يقول: ... حقب نقضن مريره المفتولا
وعلا المشيب لداته وخلت له
فكان أعظمه محاجن نبعةٍ ... عوج قدمن فقد أردن نحولا
كحديدة الهندي أمسى جفنُه ... خلقًا ولم يك في العظام نكولا
تعلو حديدته وتنكر لونه ... عين رأته في الشباب صقيلا
ويكشف المستوى الثاني بشكل أوضح عن طبيعة هذين الهمين إذ يقول الشاعر: ... تشكو إليك مظالمًا وعويلا
أبلغ أمير المؤمنين رسالة
من نازح كثرت إليك همومه ... لو يستطيع إلى اللقاء سبيلا
طال التقلب والزمان ورابه ... نحل ويكره أن يكون كسولا
ضاق الهموم وساده وتجنب ... ريَّان يصبح في المنام ثقيلا
واعتمادًا على ما سبق، يمكن أن يكون الهمان هما: هم القبيلة وما لحق بها من جور وظلم، وهذا الهم حمله الراعي لأنه كان المتحدث باسمها، وكان زعيمًا لقبيلته إذ ورث الزعامة والسيادة عن والده. وهمّ ذاتي هو خوفه من نتيجة اللقاء المرتقب، وهذا الإحساس حفزه للقول:
أبلغ أمير المؤمنين رسالة
وجعله يقول مرة: فلئن سلمتُ
إن الراعي كما تكشف القصيدة بمستوييها، عاش صراعًا أسلمه لتلك الحال التي تحدث عنها في بداية قصيدته، ومما قوى من الصراع ما عرف عن الراعي من كره لبني أمية وقال فيهم أشعارًا منها: ... عما قريب بعثمان بن عفان (10)