فهرس الكتاب
بدأت هذه المرحلة بظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية في ظروف اجتماعية اقتصادية معقدة. فقد كان العرب قبيل الإسلام يعيشون في مجتمع تشابكت فيه العلاقات التجارية مع العلاقات القبلية القديمة والعلاقات الرقيقية.. حيث انقسم العرب إلى طبقات اجتماعية مختلفة: طبقة التجار والمرابين (الذين يمارسون المبادلات الربوية) وطبقة العوام (الأحرار ونصف الأحرار) وطبقة الرقيق (1) . وقد كان للمناخ القاسي في بلاد العرب دور هام في صنع هذا الواقع الاجتماعي. فقد كان السواد الأعظم من السهول العربية قاحلًا، حرم العرب من ممارسة الأعمال الزراعية بالمعنى الدقيق للكلمة مما اضطرهم تدريجيًا إلى ممارسة الأعمال التجارية، وخاصة بالساحل الجنوبي لشبه الجزيرة. وأما في السهول الصحراوية الداخلية، فقد مارس العرب تربية الماشية عبر المراعي القليلة والمتناثرة هنا وهناك.. بيد أن التجارة العربية قبيل الإسلام لم تكن مزدهرة رغم ممارسة العرب شتى المعاملات الربوية والمصرفية. وهذا راجع بالدرجة الأولى إلى ضآلة الإنتاج الزراعي والصناعي عندهم، وراجع أيضًا إلى بعد المسافة بين مراكزهم ومحاور التجارة العالمية آنذاك. وخاصة في اليمن ونجد والحجاز.. مما حدا من اتصال العرب بحضارات وشعوب أخرى. الشيء الذي حرمهم من الاستفادة من التراث العالمي بنفس الدرجة التي استفاد بها قدماء الإغريق مثلًا. فلم تزدهر الحياة العقلية عند العرب ازدهار حياتهم الأدبية قبيل الإسلام.
وقد اقترن هذا الوضع الاجتماعي بوضع ديني عقائدي، تمثل في معتقدات شبه وثنية (2) ، حرص العرب وخاصة أغنياؤهم كل الحرص على رعايتها. فنحتوا الأصنام (حول الكعبة خاصة) وأقاموا الطقوس وقدموا القرابين... وكانت مكة عاصمة الشؤون الدينية، تحج إليها مختلف القبائل (الوثنية) . مما بوأها مركزًا اقتصاديًا مرموقًا في ذلك الوقت (3) .