فهرس الكتاب
(ب) وأما قضية مرتكب الكبيرة، فقد وقع طرحها في الصيغة التالية: هل يعتبر مرتكب الكبائر مثل السرقة والزنا والنميمة والظلم ... هل يعتبر كافرًا أم مسلمًا أم فاسقًا؟ ولم تتحول هذه القضية إلى معضلة أيديولوجية إلا من خلال الصراع الفكري الذي اقترن بالنزاع الدموي بين الأمويين والعلويين إبان"الفتنة الكبرى". حيث اتهم كل من الفريقين الآخر بالانحراف عن جادة الإسلام والتسبب بإشعال فتيل الحرب الأهلية التي أودت بحياة المئات من المسلمين. ومن هنا تعمد كل منهما اتهام الآخر باقتراف"كبائر الإثم". ويعتبر الفريق العلوي أشد تحمسًا في تصوير (الكبائر) التي اقترفها الأمويون إبان الصراع وخاصة بعد عملية"التحكيم"الشهيرة. وفي خضم هذا الجدل انشغل قسم -غير ضئيل- من الرأي العام الإسلامي بالتفكير في تحديد الأطراف المسؤولة عن هذه الفتنة ومدى الأخطاء التي وقع فيها كل منها. بل ذهب -هذا القسم- إلى التساؤل عن مصير القتلى من كل أطراف الفتنة: هل سيكون مآلهم النار، أم يعتبرون من شهداء العقيدة الإسلامية رغم تناحرهم واقتتالهم؟ وإذا كان مالهم النار، فهل سيخلدون فيها؟ وعلى مثل هذه التساؤلات اختلفت الأجوبة والتبريرات: فقد ذكرت أن كلًا من الخصمين -الأموي والعلوي- يعتبر الآخر ظالمًا ومعتديًا (أي مرتكب كبائر) ويذهب حتى إلى تكفيره. وأما المسلمون المحايدون -مثل المرجئة- فيتخذون موقفًا سلبيًا بإرجاء أمر هؤلاء المتقاتلين إلى الله ليحكم بينهم يوم القيامة. وسنرى بعد حين أن قضية مرتكب الكبيرة اتخذت منذ قيام النظام الأموي بعدًا فكريًا أشد خطورة وتأثيرًا في التاريخ الإسلامي الوسيط.
وهكذا يبدو جليًا أن علم الكلام نشأ -أول ما نشأ- في خضم النزاع السياسي- العقائدي بين مختلف الفرق الإسلامية التي أفرزتها"الفتنة الكبرى". ولم يتبنّ علم الكلام مهمة الدفاع عن الدين الإسلامي إلا في ظروف لاحقة سنعرض لها بعد حين.